أزمة السكن في إسبانيا: مظاهرات حاشدة ورفض شعبي لسياسات الإيجار
في مشهد يعكس تصاعد الغضب الشعبي، خرج مئات الآلاف من الإسبان إلى الشوارع في مدن مختلفة يوم السبت 3 أكتوبر 2026، احتجاجًا على أزمة السكن في إسبانيا التي تتفاقم بسبب الارتفاع الجنوني في الإيجارات وعمليات الطرد القسري. جاءت هذه الاحتجاجات بعد رفض البرلمان الإسباني لمقترحين حكوميين يهدفان إلى تعزيز حماية المستأجرين، مما أشعل فتيل موجة جديدة من السخط.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه إسبانيا من أزمة إسكان حادة، حيث أصبح الحصول على سكن لائق تحديًا يوميًا للشباب والعائلات ذات الدخل المحدود. وتتهم منظمات المجتمع المدني والمواطنون المضاربين العقاريين ومنصات الإيجار السياحي قصير الأجل مثل إير بي إن بي بالتسبب في رفع الأسعار وتقليص المعروض من الوحدات السكنية المخصصة للسكان الدائمين.
خلفية الأزمة: لماذا تشتعل إسبانيا؟
تعود جذور الأزمة إلى سنوات من السياسات العقارية التي شجعت على الاستثمار السياحي على حساب الإسكان الاجتماعي. وقد أدى ذلك إلى نقص حاد في المعروض، خاصة في المدن الكبرى مثل مدريد وبرشلونة، حيث ارتفعت الإيجارات بنسب تتجاوز 50% خلال العقد الماضي. وتشير تقديرات الاتحاد الإسباني للمستأجرين إلى أن أكثر من 40% من الأسر تخصص أكثر من ثلث دخلها لدفع الإيجار، وهو عبء ثقيل يدفع الكثيرين إلى حافة الفقر.
وفي هذا السياق، برزت قضية المواطنة ماري كارمن أباسكال (87 عامًا) التي طُردت من منزلها الذي عاشت فيه طوال حياتها، لتكون رمزًا مأساويًا لمعاناة كبار السن في ظل غياب الحماية القانونية. وقد أثارت هذه الحادثة موجة تعاطف واسعة، ودفعت المنظمات إلى تصعيد مطالبها.
مطالب المحتجين: ما وراء الشعارات
رفع المتظاهرون لافتات تطالب بتدخل عاجل من الحكومة، ومن أبرز المطالب:
- تثبيت عقود الإيجار مدى الحياة للمستأجرين الحاليين.
- فرض قيود صارمة على الزيادات السنوية في الإيجارات.
- تنظيم صارم للإيجار السياحي قصير الأجل، مع فرض ضرائب على المنصات.
- استثمارات ضخمة في بناء مساكن عامة بأسعار معقولة.
- وقف عمليات الطرد القسري، خاصة لكبار السن والفئات الهشة.
وتقول فاليريا راكو، المتحدثة باسم نقابة المستأجرين في مدريد: «لن نتحمل أربع سنوات أخرى دون حلول جذرية. السياسة الحقيقية تبدأ الآن من الشارع». وتضيف أن «هناك انفصالًا تامًا بين ما يريده الناس وما يصوت عليه البرلمان».
الرفض البرلماني: من يتحمل المسؤولية؟
في جلسة حاسمة، رفض البرلمان الإسباني مشروعي قانونين تقدمت بهما الحكومة الاشتراكية برئاسة بيدرو سانشيز، واللذان كانا يهدفان إلى تجديد عقود الإيجار تلقائيًا ومنع الطرد دون بديل سكني. وصوتت أحزاب المعارضة، بما فيها الحزب الشعبي (PP) وحزب فوكس (Vox) وحزب جونس (Junts) والحزب القومي الباسكي (PNV) وتحالف الكناري (Coalición Canaria) والاتحاد الشعبي النافاري (UPN)، ضد المقترحين، معتبرة أنهما «ضاران» بالاقتصاد وسوق العقارات.
من جهته، دعا سانشيز في ظهور مفاجئ بالبرلمان إلى «نبذ الحسابات السياسية والتفكير في الشعب»، لكن المعارضة ماضية في تحميل الحكومة مسؤولية الأزمة، مطالبًا بانتخابات مبكرة. وقال ألبرتو نونيز فيخو، زعيم الحزب الشعبي: «على سانشيز أن يدعو إلى انتخابات فورية، فإسبانيا لا تحتمل الانتظار».
احتجاجات واسعة وتحديات أمنية
شهدت العاصمة مدريد حشودًا غير مسبوقة، حيث قدرت السلطات المحلية عدد المشاركين بنحو 70 ألف شخص، بينما أكد المنظمون أن العدد تجاوز 500 ألف. وفي مدن أخرى مثل برشلونة وفالنسيا وإشبيلية، خرجت مسيرات مماثلة، واجهت بعضها قيودًا أمنية حالت دون وصول المحتجين إلى مقرات حكومية.
وتأتي هذه الاحتجاجات في ظل استعداد إسبانيا لدخول موسم انتخابي حاسم، حيث تستغل المعارضة وأحزاب اليمين المتطرف كل حدث لتأجيج الغضب ضد الحكومة. ويخشى المراقبون من أن تؤدي هذه التوترات إلى مزيد من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.
دعوات لتصعيد غير مسبوق
أعلنت نقابة المستأجرين الإسبانية، إلى جانب منظمات أخرى، عن خطة لتصعيد الاحتجاجات، بما في ذلك الدعوة إلى إضراب عام في قطاع الإسكان إذا لم تستجب الحكومة للمطالب. وقالت النقابة في بيان: «المجتمع الإسباني سينزل إلى الشوارع مرة أخرى، ولن يتوقف حتى يجد حلولًا عاجلة». وتشير التقديرات إلى أن الأزمة قد تتفاقم مع اقتراب فصل الشتاء، حيث تزداد الحاجة إلى مساكن دافئة وبأسعار معقولة.
وفي خضم هذه الأحداث، يبقى السؤال: هل ستتمكن إسبانيا من تجاوز أزمة السكن في إسبانيا قبل أن تتحول إلى أزمة اجتماعية شاملة؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.
لمزيد من الأخبار والتطورات، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك