عاجل

رئاسة مجلس النواب المغربي: صراع النفوذ ومفاوضات الحكومة الجديدة

رئاسة مجلس النواب المغربي: صراع النفوذ ومفاوضات الحكومة الجديدة

رئاسة مجلس النواب المغربي: منصب استراتيجي في قلب المشاورات الحكومية

منذ أن أطلت حكومة التناوب برئاسة عبد الرحمن اليوسفي عام 1998، لم تعد رئاسة مجلس النواب المغربي مجرد منصب بروتوكولي، بل أصبحت محوراً حساساً في معادلة التوازن السياسي. فمع تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بـ97 مقعداً، وتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المكلفة، عاد هذا الموقع ليتصدر أجندة التفاوض بين أحزاب الأغلبية. فما الذي يجعل من كرسي الرئاسة ورقة ثمينة إلى هذا الحد؟ وكيف تطور دوره عبر العقود الماضية؟

لماذا يعتبر منصب رئيس مجلس النواب مفتاحاً للتوازن السياسي؟

يُوصف رئيس مجلس النواب بأنه “الرجل الثالث” في هرم السلطة، بعد الملك ورئيس الحكومة. لكن هذا الوصف الدستوري لا يعكس سوى جزء من الصورة. فعلى المستوى العملي، يقف رئيس المجلس في قلب العلاقة بين الأغلبية والمعارضة، ويدير جلسات التشريع والرقابة، ويمثل البرلمان في المحافل الدولية. كما يلعب دوراً محورياً في الدبلوماسية البرلمانية، خاصة في القضايا الاستراتيجية مثل الوحدة الترابية. ولهذا، فإن السيطرة على هذا المنصب تمنح الحزب الذي يحصل عليه نفوذاً واسعاً في توجيه السياسات العامة وتمرير القوانين.

محطات تاريخية في مسار رئاسة مجلس النواب المغربي

لفهم قيمة هذا المنصب اليوم، لا بد من استعراض أبرز المحطات التي شكّلت ملامحه:

  • عبد الواحد الراضي (1997-2007): أول رئيس في عهد التناوب، قاد المجلس خلال ولايتين تشريعيتين، وركز على تعزيز الدبلوماسية البرلمانية وإصلاح العلاقة بين السلطتين.
  • مصطفى المنصوري (2007-2010): انتخب خلفاً لأحمد عصمان، لكن ولايته انتهت مبكراً بعد عودة الراضي في أبريل 2010.
  • كريم غلاب (2011-2014): تولى الرئاسة بعد دستور 2011، وواجه تحديات ملاءمة النظام الداخلي مع الدستور الجديد.
  • راشيد الطالبي العلمي (2014-2021): خلف غلاب بعد تصويت حاسم، ثم عاد لرئاسة المجلس في 2021 بعد فوز حزبه في الانتخابات.
  • الحبيب المالكي (2017-2021): قاد المجلس في مرحلة حساسة، وركز على الدفاع عن الوحدة الترابية برلمانياً.

هذه الأسماء ليست مجرد أرقام، بل تعكس تحولات سياسية كبرى. فمن حكومة التناوب إلى دستور 2011، مروراً باحتجاجات 20 فبراير، ظل منصب الرئاسة مرآة للتوازنات المتغيرة. وحتى قبل ذلك، كانت البداية مع المهدي بنبركة (1956-1959) كأول رئيس للمجلس الوطني الاستشاري، ثم تعاقب عبد الكريم الخطيب، وعبد الهادي بوطالب، والمهدي بن بوشتة، والداي ولد سيدي بابا، وأحمد عصمان، وجلال السعيد.

دستور 2011: نقطة تحول في صلاحيات رئيس المجلس

شكّل دستور 2011 علامة فارقة في تاريخ المؤسسة التشريعية. فقد وسّع اختصاصات البرلمان في التشريع والرقابة، وأدخل آليات جديدة مثل جلسة المساءلة الشهرية لرئيس الحكومة. كما عزز دور المعارضة في رئاسة اللجان. وقد انعكس ذلك على مهام رئيس المجلس، الذي أصبح مطالباً بقيادة مؤسسة أكثر تعقيداً وتنوعاً. ولم يعد الأمر يقتصر على إدارة الجلسات، بل امتد إلى ضمان التوازن بين مكونات المجلس، وتفعيل الدبلوماسية البرلمانية في المحافل الدولية.

رئاسة مجلس النواب في مفاوضات الحكومة الجديدة

مع انطلاق مشاورات تشكيل الحكومة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، يبرز التنافس على رئاسة مجلس النواب كأحد أصعب نقاط التفاوض. فحزب الاستقلال، وفقاً لمصادر إعلامية، يضع هذا الموقع ضمن مطالبه. لكن الحسم النهائي لم يتم بعد، خاصة أن الولاية التشريعية الجديدة ستنطلق في 9 أكتوبر 2026 بافتتاح ملكي. وتكمن المفارقة في أن رئيس المجلس يُنتخب من قبل النواب، لكن أحزاب الأغلبية هي التي تحدد المرشح، مما يجعله جزءاً من الصفقة الحكومية. وبمجرد انتخابه، يُفترض أن يتحول من ممثل للأغلبية إلى رئيس لكل مكونات المجلس، أغلبية ومعارضة.

تحديات أمام الرئيس المقبل

الرئيس الجديد لمجلس النواب سيواجه ملفات شائكة، أبرزها:

  • تعزيز حضور البرلمان في الرقابة على الحكومة، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
  • تطوير الدبلوماسية البرلمانية لمواجهة التحديات الإقليمية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.
  • معالجة ظاهرة غياب النواب عن الجلسات، والتي تؤثر على مصداقية المؤسسة.
  • ملاءمة النظام الداخلي مع أي تعديلات دستورية محتملة.

وهذه التحديات تتطلب رئيساً يتمتع بكفاءة سياسية وخبرة برلمانية، وقدرة على إدارة الخلافات داخل المجلس. ولهذا، فإن اختيار الشخصية المناسبة ليس مجرد مسألة حزبية، بل ضرورة لضمان استقرار المؤسسة التشريعية.

خاتمة: منصب يتجاوز البروتوكول

بعد أكثر من ربع قرن من التحولات، لم يعد منصب رئاسة مجلس النواب المغربي مجرد شرف بروتوكولي، بل أصبح أداة نفوذ سياسي واستراتيجي. ومن يراقب المشهد الحالي يدرك أن هذا الموقع سيبقى في قلب المعادلة الحكومية، ليس فقط لأنه يمثل السلطة التشريعية، بل لأنه يمنح حامله قدرة على التأثير في القرار الوطني. ولمتابعة آخر التطورات حول هذا الموضوع وغيره، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب. كما يمكنكم الاطلاع على تعريف مجلس النواب المغربي لمزيد من المعلومات.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.