عاجل

المغرب يرسخ مقاربة جديدة: أي مدى لتطور تدبير المغرب للكوارث الطبيعية بعد فيضان آسفي؟

المغرب يرسخ مقاربة جديدة: أي مدى لتطور تدبير المغرب للكوارث الطبيعية بعد فيضان آسفي؟

شهدت مدينة آسفي مؤخراً فيضاناً ترك بصماته على العديد من المنازل والأنشطة التجارية، لكنه في الوقت ذاته، مثل اختباراً حقيقياً لنجاعة المقاربة المغربية في إدارة الأزمات والكوارث الطبيعية. في هذا السياق، يبرز تطور تدبير المغرب للكوارث الطبيعية كعنوان رئيسي لمرحلة جديدة تتسم بالسرعة في الاستجابة وفعالية الدعم، وإن كانت لا تزال تواجه تحديات ملحة، أبرزها ضعف الرقمنة.

بعد أيام قليلة من الفيضان، تحركت السلطات المغربية بسرعة غير مسبوقة لتسليم الدفعات الأولى من المساعدات المالية للمتضررين، سواء أصحاب المنازل، التجار، الحرفيين، أو الباعة المتجولين. هذه الاستجابة السريعة، التي تمت في أقل من 20 يوماً، تمثل نقلة نوعية مقارنة بالتعامل مع كوارث سابقة كزلزال الحوز وفيضانات الجنوب الشرقي، حيث استغرقت الإجراءات وقتاً أطول.

سرعة الاستجابة وجودة الدعم: مؤشرات واضحة على التقدم

لقد أظهرت الاستجابة لفيضان آسفي كفاءة ملحوظة في عدة جوانب:

  • توزيع المساعدات المالية المباشرة: تسلم أصحاب المنازل المتضررة 20 ألف درهم كدفعة أولى لإصلاح الأضرار، مع وعود بدفعة ثانية مماثلة.
  • دعم التجار والحرفيين: تراوحت المساعدات المقدمة للتجار بين 15 و30 ألف درهم، حسب حجم المحل والخسائر، مع التخطيط لدعم إضافي لاستئناف الأنشطة الاقتصادية.
  • دعم الباعة المتجولين: استفاد أكثر من 50 بائعاً متجولاً من دعم مالي بقيمة 15 ألف درهم، مما يؤكد شمولية الدعم.

ما يميز هذه العملية هو طريقة التسليم المباشر للشيكات للمستفيدين، خلافاً لآلية الأكواد التي كانت مستخدمة في زلزال الحوز وفيضانات الجنوب الشرقي، والتي لاقت بعض الانتقادات بسبب تعقيداتها.

الإطار الاستراتيجي والتحول النموذجي في تدبير الكوارث

أكد أمين سامي، الخبير في التخطيط الاستراتيجي، أن المغرب يعيش تطوراً ملموساً في تدبير الكوارث الطبيعية، مستنداً إلى الاستراتيجية الوطنية لتدبير مخاطر الكوارث (2020–2030). تهدف هذه الاستراتيجية إلى الانتقال من مرحلة الاستجابة البعدية إلى نهج وقائي وتكاملي، يتماشى مع المعايير الدولية لإطار سينداي للحد من مخاطر الكوارث.

منذ عام 2016، أرسى المغرب نظاماً تأمينياً معيارياً يغطي أضرار الكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل والانهيارات. كما أن هناك شراكات فنية ومالية دولية مع مؤسسات مثل البنك الدولي، مما يعكس نهجاً طموحاً ومتكاملاً على مستوى الإطار العام. يوضح الخبير أن هذا التحول يستهدف بناء صمود مجتمعي واقتصادي عبر الانتقال من رد الفعل الظرفي إلى ثقافة إدارة مخاطر متكاملة.

تحدي الرقمنة: محرك أساسي لتعزيز الحكامة

رغم التقدم المحرز، يواجه تدبير الكوارث في المغرب تحدياً كبيراً يتمثل في ضعف الرقمنة، كما أشار سعيد أزلماط، الباحث في الحكامة والتدبير التنموي. ويعتبر أزلماط أن زلزال الحوز عام 2023 كشف عن مجموعة من الاختلالات التي يمكن للرقمنة أن تساهم في حلها.

الرقمنة ليست مجرد خيار تكميلي، بل هي عامل حاسم لرفع مستوى التدبير الحكاماتي للأزمات. يمكن للرقمنة أن تضمن:

  • الشفافية وسهولة التتبع: تمكين المتضررين من تتبع مسار ملفاتهم رقمياً دون تعقيدات إدارية.
  • الكفاءة والسرعة: تسريع عمليات تقييم الأضرار، صرف التعويضات، وتنسيق الجهود بين مختلف الفاعلين.
  • تحسين البيانات والتحليل: جمع بيانات دقيقة تساعد في التخطيط الاستباقي وتحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر.

إن تعزيز البنية التحتية الرقمية في جميع مناطق المغرب، وخاصة النائية، يعد خطوة أساسية لمواكبة هذا التوجه نحو تدبير أكثر حداثة وفعالية.

توصيات لتعزيز المرونة الشاملة

لتحقيق أقصى استفادة من تطور تدبير المغرب للكوارث الطبيعية، يوصي الخبراء بما يلي:

  1. تقوية البعد الاستباقي والوقائي: لا يقتصر الأمر على الاستجابة بعد الكارثة، بل يشمل أيضاً اتخاذ احتياطات استباقية مثل تنظيف مجاري المياه، صيانة البنيات التحتية، وتوعية المواطنين.
  2. رقمنة نظم التدخل: تطوير منصات رقمية موحدة لإدارة الأزمات، من الإبلاغ عن الأضرار إلى صرف التعويضات.
  3. تحسين التغطية التأمينية: توسيع نطاق المستفيدين من أنظمة التأمين ضد الكوارث الطبيعية وتبسيط إجراءات التعويض.
  4. تثبيت ثقافة التعويض السريع والعادل: جعلها قيمة مؤسسية تضمن حقوق المتضررين بسرعة ودون تمييز.
  5. تعزيز التنسيق بين الجهات: تفعيل آليات تنسيق أكثر فعالية بين مختلف الإدارات والقطاعات المعنية.

في الختام، يُظهر فيضان آسفي أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ مقاربة حديثة وفعالة في تدبير الكوارث الطبيعية. وبينما تبرز سرعة الاستجابة وشمولية الدعم كإنجازات واضحة، يبقى تحدي الرقمنة هو المفتاح لتحقيق قفزة نوعية نحو نظام متكامل ومرن وقادر على مواجهة تحديات المستقبل بفعالية أكبر، وذلك ما تسعى إليه الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، في تغطياتها المستمرة.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.