في مبادرة ثقافية راقية تؤكد على عمق الروابط الحضارية، تستضيف العاصمة المغربية الرباط معرضًا فنيًا فريدًا يحتفي بحياة وفكر الفارابي الفيلسوف الموسوعي، أحد أبرز العقول التي أنارت دروب المعرفة في تاريخ الحضارة الإسلامية. ينظم هذا الحدث المتميز، الذي يجمع بين الفن والتراث، من قبل منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، بالتعاون مع سفارة جمهورية كازاخستان بالمغرب، ويسلط الضوء على الأبعاد الفلسفية والإنسانية لتعاليم هذا المفكر العظيم.
يعد هذا المعرض بمثابة جسر يربط الأجيال الحالية بإرث فكري لا يزال يصدح صداه في أروقة الفلسفة والعلوم، ويقدم للجمهور فرصة استثنائية للتأمل في مسيرة حياة الفيلسوف الذي تجاوزت أفكاره حدود الزمان والمكان. إنه ليس مجرد عرض للوحات، بل هو دعوة للغوص في عمق إسهامات الفارابي التي شكلت محطات فارقة في الفكر الإنساني.
من هو الفارابي الفيلسوف الموسوعي؟
أبو نصر محمد بن محمد الفارابي، المعروف باسم الفارابي، هو قامة علمية لا يختلف اثنان على أهميتها. ولد في كازاخستان الحالية وتوفي في سوريا، ليترك وراءه إرثًا فكريًا غزيرًا. كان الفارابي عالمًا متعدد التخصصات، حيث لم يقتصر نبوغه على مجال واحد، بل شمل الفلسفة، المنطق، الرياضيات، الكيمياء، والموسيقى. يُعرف بأنه أحد مؤسسي الفلسفة الإسلامية ويُلقب بـ”المعلم الثاني” بعد أرسطو، نظرًا لعمق تحليلاته وشروحاته لأعمال الفلاسفة اليونانيين.
وقد أشار الروائي المغربي عبد الإله بن عرفة، نائب المدير العام للإيسيسكو، في افتتاح المعرض إلى أن هذا التكريم يأتي “تقديراً لشخصية جمعت بين الحكمة والمعرفة والأدب والموسيقى، وتركت أثراً ممتداً في الفكر الإنساني”، مؤكداً أن المعرض “يستعيد سيرة قامة علمية سافرت بفكرها عبر الزمن”.
الفن يجسد فكر الفارابي الخالد
يتميز المعرض بلوحات الفنان الكازاخي زانوزاك موسابير، الذي استقبلت الإيسيسكو أعماله الفنية. وقد سعى موسابير، من خلال ريشته، إلى “استكشاف الأسس الفلسفية والإنسانية والروحية لتعاليم الفارابي، وتسليط الضوء على أفكاره الخالدة”. هذه اللوحات ليست مجرد رسوم، بل هي محاولات فنية لترجمة الأبعاد المعقدة لفكر الفارابي إلى صور بصرية تلامس الوجدان وتثير التساؤلات.
- التعاون الثقافي: تجسد هذه الشراكة بين الإيسيسكو وسفارة كازاخستان عمق الروابط الثقافية وتبادل الخبرات بين الشعوب.
- الرؤية الفنية: يروي موسابير بحسه الإبداعي محطات من حياة الفارابي، مسهمًا في تخليد إرثه وإيصال رسالته إلى جمهور أوسع.
- البعد الوجداني: أكدت سوليكول سيلوكيزي، سفيرة كازاخستان، أن لوحات موسابير “تمنح بعدًا وجدانيًا لسيرة الفارابي ورحلته المعرفية”، مما يجعل تجربة الزوار أكثر عمقًا وتأثيرًا.
هذا الاحتفاء بالفارابي عبر الفن يؤكد على أن الفكر والفلسفة ليسا حكرًا على الكتب والمخطوطات، بل يمكن للفن أن يكون وسيلة فعالة لإحياء التراث وإيصاله بأسلوب مبتكر للعامة. إنها فرصة للزوار لاستكشاف إسهامات الفارابي في تطور الفكر بالعالم الإسلامي من خلال عدسة الفن.
إن تنظيم هذا المعرض في الرباط يمثل إضافة قيمة للمشهد الثقافي للمدينة، ويعكس التزام الإيسيسكو بتعزيز الحوار الحضاري وتقدير الشخصيات الفكرية التي أثرت الإنسانية. لمتابعة المزيد من الأخبار الثقافية والفنية، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك