شهدت الساحة الاجتماعية المغربية حراكاً نقابياً مكثفاً تجدد فيه التأكيد على الرفض القاطع لأي محاولات لمراجعة أو تعديل مدونة الشغل في الظرفية الراهنة. تعبر قيادات نقابية بارزة عن مخاوف النقابات من تعديل مدونة الشغل، مشددة على أن مثل هذه الخطوة تفتقر إلى أي مبررات موضوعية، وتهدد بتقويض المكتسبات الاجتماعية العميقة التي حققتها الطبقة العاملة المغربية على مدار عقود طويلة من النضال المستمر. إن التفكير في إعادة صياغة هذا الإطار القانوني الأساسي يثير قلقاً بالغاً من أن يتم استغلاله لتلبية ضغوط أرباب العمل على حساب الاستقرار الوظيفي وحقوق الأجراء.
جوهر مدونة الشغل: حصن حقوق العمال
تُعد مدونة الشغل المغربية، منذ إقرارها، بمثابة ركيزة أساسية لتحقيق التوازن بين مصالح الأجير والمشغل، وتهدف إلى ضمان الاستقرار داخل المقاولة وتحفيز التنمية الاقتصادية. ويرى قادة العمل النقابي أن هذه المدونة، بمقتضياتها الحالية، متوازنة بطبيعتها وتضمن حقوق العمال الأساسية، بينما تكفل في الوقت ذاته إطاراً قانونياً واضحاً للمقاولات. يؤكد الميلودي موخاريق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، أن أي مساس بهذه المكتسبات أو “ضربها عرض الحائط” استجابةً لـ”رغبات أرباب العمل أو نزواتهم” هو أمر غير مقبول. ويشير إلى أن المدونة ليست مجرد مجموعة من الفصول القانونية، بل هي “فلسفة اجتماعية” تكرس العدالة والتوازن.
في هذا السياق، تطالب النقابات بضرورة ترك قضايا بهذه الأهمية لحكومة ديمقراطية قادمة، نظراً لقصر الفترة المتبقية من عمر الحكومة الحالية، مما يجعلها غير مؤهلة لاتخاذ قرارات مصيرية كهذه. إن التعديلات المقترحة، في نظر النقابات، ليست سوى محاولة للتحايل على مبدأ العقود الدائمة، والانتقال نحو ما يسميه البعض “المرونة”، التي يفسرها النقابيون على أنها تسريح للأجراء دون مبرر مشروع وتقليص تعويضات الطرد التعسفي.
مخاوف النقابات من تعديل مدونة الشغل: “المرونة” كذريعة للاستغلال
تحذر القيادات النقابية بشدة من مفهوم “المرونة” الذي يطالب به أرباب العمل، مؤكدة أنه ليس سوى غطاء لفرض “السيبة الاجتماعية”. هذه “المرونة”، وفقاً للنقابات، تعني في جوهرها إمكانية تسريح الأجراء بسهولة وتقليص تعويضاتهم، مما يقوض الأمن الوظيفي ويزيد من هشاشة أوضاع الشغيلة. يعتبر علي لطفي، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل، أن الحكومة تسعى من خلال هذه المراجعة إلى “إلغاء الاستقرار الوظيفي”، خاصة في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة التي قد تؤدي إلى اختفاء عدد من المهن.
وعلى الرغم من إقرار النقابات بالاستعداد لـ”فتح نقاش مسؤول ومحدود” حول بعض الإشكالات التطبيقية للمدونة، إلا أنها ترفض “إعادة صياغة المدونة من جديد” بشكل قطعي. فجوهر مدونة الشغل المغربية، التي تمثل حصناً لحقوق العمال، لا يمكن المساس به تحت أي ذريعة.
تحديات واقعية تتطلب تطبيق المدونة لا تعديلها
يطرح النقابيون تساؤلات جوهرية حول أولويات الحكومة. فبدلاً من التركيز على تعديل المدونة، لماذا لا يتم فرض التطبيق الصارم لمقتضياتها الحالية، خاصة في قطاعات حيوية مثل الحراسة والنظافة؟ في هذه القطاعات، يتجاوز العمال ساعات العمل القانونية بكثير، ويعانون من ضعف التصريح بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، أو عدمه تماماً. يؤكد موخاريق أن الحكومة “تكتفي بالمشاهدة” بينما يتعرض العاملون في هذه القطاعات لاستغلال بشع، داعياً إلى عدم اتخاذ بعض الظواهر الاجتماعية “ذريعة لتبرير هذا الوضع”.
من جانبه، يسلط لطفي الضوء على أرقام مقلقة، حيث يشير إلى أن نحو 60% من العمال لا يحصلون على الحد الأدنى للأجر، وغير مسجلين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ويعملون في الاقتصاد غير المهيكل أو في المناولة من الباطن. هذه الأوضاع تعكس هشاشة واسعة في سوق العمل، وتؤكد أن المشكلة ليست في نصوص المدونة، بل في ضعف تطبيقها وتفعيلها.
- مطالب النقابات:
- الرفض القاطع لأي مراجعة شاملة للمدونة.
- الاستعداد لنقاش محدود حول الإشكالات التطبيقية دون المساس بالجوهر.
- ضرورة فرض التطبيق الصارم للمدونة الحالية، خاصة في القطاعات الهشة.
- توفير الحماية الاجتماعية وضمان الحد الأدنى للأجر لجميع العمال.
في الختام، تجدد النقابات المغربية موقفها الثابت والواضح: الحفاظ على جوهر مدونة الشغل كضامن لحقوق الطبقة العاملة والاستقرار الاجتماعي. وتدعو الحكومة إلى التركيز على معالجة القضايا الأساسية وتحقيق “الدولة الاجتماعية” من خلال تطبيق القوانين القائمة، لا من خلال تعديلات قد تزيد من هشاشة الأوضاع وتخدم مصالح فئة معينة على حساب الغالبية. لمزيد من التحليلات والأخبار الحصرية حول هذا الموضوع، يمكنكم متابعة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك