يشهد المغرب تحولات مفصلية في منظومة الحصول على رخصة السياقة، بهدف تعزيز السلامة الطرقية ورفع مستوى كفاءة السائقين. تأتي هذه الإصلاحات، التي تقودها الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA)، لتعيد صياغة الإطار القانوني والعملي لامتحانات السياقة. محور هذه التغييرات هو فصل الامتحان النظري عن التطبيقي، إلى جانب إطلاق منصة رقمية متطورة للخدمات. يهدف هذا المقال إلى استكشاف الأبعاد المختلفة لـ تطوير امتحان رخصة السياقة بالمغرب، والوقوف عند تداعياته على المترشحين ومدارس تعليم السياقة.
لقد أعدت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية الإطار القانوني اللازم لهذه التغييرات الجوهرية. ومن المنتظر أن يعقد السيد بناصر بولعجول، مدير الوكالة، اجتماعاً حاسماً مع رئيس الفيدرالية المغربية لمدربي ومهنيي تعليم السياقة والسلامة الطرقية، لمناقشة هذه المشاريع وتفاصيلها التطبيقية.
إعادة هيكلة المسار: فصل الاختبار النظري عن التطبيقي
يعتبر قرار فصل الاختبار النظري (الكود) عن الاختبار التطبيقي للسياقة أحد أبرز ركائز هذا الإصلاح. بموجب هذا التعديل، لن يتمكن المتدرب من الشروع في التكوين العملي على السياقة إلا بعد نجاحه في الامتحان النظري المتعلق بقواعد السير والغرامات وغيرها. هذا النهج الجديد يضمن للمترشح استيعاب القواعد النظرية بشكل كامل قبل الانتقال إلى الممارسة الفعلية على الطريق.
يوضح السيد مصطفى الحاجي، رئيس الفيدرالية المغربية لمدربي ومهنيي تعليم السياقة والسلامة الطرقية، أن هذا الفصل يفرض على المتدرب حجز موعد للامتحان النظري واجتيازه بنجاح، ثم بعد ذلك يبدأ مرحلة تعلم السياقة التطبيقية. وبعد الانتهاء من التدريب العملي، يتم حجز موعد آخر خاص بالامتحان التطبيقي. هذا التسلسل المنطقي يهدف إلى:
- تعزيز الفهم العميق: ضمان إتقان المتدربين لقانون السير قبل مواجهة تعقيدات القيادة العملية.
- رفع جودة التكوين: السماح لمدارس تعليم السياقة بالتركيز على الجانب العملي بشكل أكبر بعد التأكد من أساسيات المتدرب المعرفية.
- تقليل حوادث الطرق: عبر إعداد سائقين أكثر وعياً بالقوانين ومخاطر الطريق.
منصة ‘Téléservices’: قفزة نحو الرقمنة والشفافية
بالتوازي مع التعديلات القانونية، تعتزم الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية إطلاق منصة رقمية متكاملة للخدمات تحمل اسم ‘Téléservices’ (تيلي سيرفيس). هذه المنصة تعد بتحويل جذري للمساطر الإدارية الخاصة بمؤسسات تعليم السياقة والمتدربين على حد سواء. تشمل الخدمات المتوقعة:
- حجز المواعيد إلكترونياً: سواء للامتحان النظري أو التطبيقي، مما ينهي عناء التنقل والانتظار.
- إيداع طلبات التراخيص: بالنسبة للمهنيين وأصحاب مدارس تعليم السياقة، بدءاً من طلبات فتح المؤسسات الجديدة وصولاً إلى الحصول على التراخيص ذات الصلة.
- القضاء على الملفات الورقية: تبسيط الإجراءات وتقليل الأعباء الإدارية، خاصة للمؤسسات البعيدة عن مراكز التسجيل.
هذه المنصة لا تخدم فقط المترشحين والمدارس، بل تساهم أيضاً في تعزيز مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة في تدبير القطاع، وتقليل فرص أي ممارسات غير سليمة قد تشوب المساطر التقليدية.
تحديات وآفاق تطوير امتحان رخصة السياقة بالمغرب
رغم التطلعات الإيجابية لهذا الإصلاح، إلا أن هناك عدة نقاط لا تزال قيد النقاش والتشاور مع الإدارة، بحسب السيد الحاجي. تشمل هذه النقاط تحديد المدة الزمنية لصلاحية الملف بعد النجاح في الامتحان النظري (هل ستكون 6 أشهر أم سنة؟)، وكذلك عدد المحاولات المتاحة للمترشح في الامتحان التطبيقي. هذه التفاصيل التنظيمية حاسمة لتحديد فعالية النظام الجديد ومراعاة ظروف المتدربين.
من بين التحديات التي يجب أخذها في الاعتبار، نجد ضرورة مكافحة الرشوة التي أشار إليها العديد من المواطنين في تعليقاتهم على الأخبار المتعلقة بهذا الإصلاح. فمهما تطورت القوانين والمنصات الرقمية، يظل الالتزام الأخلاقي والرقابة الصارمة أساساً لضمان نزاهة العملية برمتها. كما يجب التأكد من جاهزية البنية التحتية لمدارس تعليم السياقة لاستيعاب التغييرات، وتوفير عدد كافٍ من المركبات والمدربين لضمان جودة التكوين العملي.
إن الهدف الأسمى من هذه الإصلاحات هو إعداد جيل جديد من السائقين يتحلى بالمسؤولية والوعي بقواعد السلامة الطرقية، مما سيساهم حتماً في تقليص حوادث السير التي تودي بحياة الآلاف سنوياً. يجب أن تترجم هذه المستجدات إلى رؤية موحدة تخدم مصلحة المهنيين وتسهل الإجراءات أمام المواطنين، مع الحفاظ على أعلى معايير الكفاءة والنزاهة.
تأثير الإصلاح على منظومة تعليم السياقة والمهنيين
لن يقتصر تأثير هذا الإصلاح على المتدربين فحسب، بل سيمتد ليشمل منظومة تعليم السياقة بأكملها. سيتعين على مدارس تعليم السياقة إعادة هيكلة برامجها التدريبية لتتماشى مع الفصل بين الجزأين النظري والتطبيقي. هذا قد يتطلب:
- تطوير مناهج نظرية أكثر تفاعلية وجاذبية.
- الاستثمار في مركبات تدريب إضافية لتلبية الطلب المحتمل على الحصص التطبيقية بعد اجتياز الامتحان النظري.
- تأهيل المدربين لمواكبة هذه التغييرات، وربما التركيز على تخصصات محددة (مدرب نظري ومدرب تطبيقي).
يأمل المهنيون في أن تسفر هذه اللقاءات المتواصلة مع الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية عن توقيع محضر مشترك يتضمن مقترحات الإدارة والهيئات المهنية على حد سواء، بما يضمن بناء نظام متوازن وعادل. إن الشفافية والحوار البناء هما المفتاح لنجاح أي إصلاح بهذا الحجم.
في الختام، يمثل تطوير امتحان رخصة السياقة بالمغرب خطوة مهمة نحو تحديث هذا القطاع الحيوي. من خلال الفصل بين النظري والتطبيقي، وإطلاق منصة رقمية متطورة، يسعى المغرب إلى بناء نظام أكثر كفاءة وشفافية لتدبير رخص السياقة، بما يخدم في النهاية مصلحة المواطن ويعزز من سلامة الطرق. للمزيد من الأخبار والمستجدات حول هذا الموضوع وغيرها من القضايا الوطنية والدولية، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك