عاجل

المغرب بين التوقيت الصيفي ورفاهية المواطن: دراسة معمقة لتداعيات الساعة الإضافية

المغرب بين التوقيت الصيفي ورفاهية المواطن: دراسة معمقة لتداعيات الساعة الإضافية

لطالما كان موضوع التوقيت الصيفي المعتمد في المغرب، أو ما يُعرف بـ GMT+1، محط جدل واسع ونقاشات عمومية لا تتوقف. ففي الوقت الذي تبرز فيه الجهات الرسمية مزايا اقتصادية متوقعة، تلوح في الأفق تحديات اجتماعية وصحية جمة تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين. ولفهم الصورة كاملة، لا بد من الغوص في تحليل معمق يكشف عن تداعيات الساعة الإضافية على صحة ورفاهية المغاربة، وهو ما سعت إليه دراسة حديثة صدرت عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD).

المكاسب الاقتصادية المزعومة: هل تستحق الثمن؟

تشير الورقة التحليلية للمركز إلى أن سياسة التوقيت GMT+1 تحقق ‘مكسباً تكتيكياً’ عبر تعزيز التزامن الاقتصادي مع دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما قد يكون داعماً للقطاعات الخدمية العابرة للحدود وعمليات ترحيل الخدمات (BPO). ومع ذلك، يرى الخبراء أن هذا المكسب ‘محدود’ وأن الحجة الاقتصادية تحتاج إلى تقييم دوري في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة، مثل الأتمتة والذكاء الاصطناعي، التي قد تقلل من أهمية التداخل الزمني البشري المباشر. بل إن الدراسة لفتت إلى أن هذا المكسب يأتي على حساب ‘فقدان ساعة ثمينة من التداخل مع لندن ونيويورك’، مما قد يعيق استراتيجية تنويع الأسواق وجذب الاستثمارات الأنجلوساكسونية.

تداعيات الساعة الإضافية على صحة ورفاهية المغاربة: كلفة اجتماعية باهظة

على النقيض من المكاسب الاقتصادية المشكوك فيها، تُظهر الدراسة وجود تكاليف استراتيجية موثقة على مستويات عديدة، أهمها الصحة العامة والسلامة الطرقية والعدالة المجالية. إن الابتعاد عن التوقيت الشمسي الطبيعي يولد ما يُعرف بـ ‘التأخر الاجتماعي’، وهو تفاوت بين الساعة البيولوجية الطبيعية للإنسان والساعة القانونية المعتمدة. هذا التفاوت ينعكس سلباً على:

  • جودة ومدة النوم: حيث يرتبط العيش في الجانب الغربي زمنياً بفقدان ما متوسطه 19 دقيقة من النوم كل ليلة للبالغين، و32 دقيقة للمراهقين، مما يؤثر على التركيز والإنتاجية.
  • المخاطر الصحية: تزداد مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة مثل السمنة والسكري وأمراض القلب نتيجة اضطراب الإيقاع البيولوجي (Circadian Rhythm)، والذي يمكنك قراءة المزيد عنه في ويكيبيديا.
  • السلامة الطرقية: خاصة في الفترات الشتوية، حيث يضطر التلاميذ والموظفون للانطلاق إلى أعمالهم ومدارسهم في الظلام الدامس، مما يزيد من حوادث السير ومخاطر الاعتداءات.
  • الرفاه النفسي والاجتماعي: الشعور بالإرهاق الصباحي، والتأخر والغياب عن العمل والدراسة، فضلاً عن الشعور المتزايد بعدم الأمان، كلها عوامل تؤثر سلباً على جودة الحياة.

تؤكد الورقة التحليلية أن ‘المفاضلة ليست تقنية، بل هي سياسية بامتياز، وتتطلب موازنة دقيقة بين مصالح قطاعات اقتصادية محددة والصحة والرفاه العام للمجتمع’.

دعوة إلى الشفافية والمراجعة المستقلة

لمعالجة هذا الجدل المتزايد حول الكلفة الصحية والاجتماعية للساعة الإضافية، يطالب المركز بعدة إجراءات حاسمة:

  1. نشر الدراسات الحكومية: الكشف عن الدراسة الحكومية لسنة 2018 أو خلاصتها التنفيذية التي استند إليها قرار تثبيت توقيت GMT+1، لتمكين نقاش عمومي شفاف ومبني على المعطيات.
  2. تطبيق حزمة تخفيف شتوية: تتضمن تأخير الدخول المدرسي والإداري إلى الساعة التاسعة صباحاً من نونبر إلى فبراير كإجراء فوري لحماية صحة وسلامة التلاميذ والموظفين.
  3. إتاحة البيانات الرسمية: توفير البيانات الدقيقة من المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية للباحثين، لإجراء دراسات مستقلة حول الأثر الفعلي للتوقيت الصيفي.
  4. استشارة عامة وطنية: إجراء استشارة موسعة لا تقتصر على تفضيل التوقيت فحسب، بل تقيس أيضاً مؤشرات الكلفة الاجتماعية المرتبطة بـ ‘الصباح المظلم’.

بناءً على نتائج ‘دراسة الكلفة – المنفعة’ المنتظرة، يمكن للمغرب اتخاذ قرار سيادي نهائي بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية: العودة الدائمة إلى توقيت غرينتش، الإبقاء على توقيت غرينتش +1 مع تعويضات تنظيمية دائمة، أو اعتماد نظام موسمي جديد يتوافق مع دورة الاتحاد الأوروبي.

في الختام، يظل الجدل حول الساعة الإضافية في المغرب ليس مجرد مسألة فنية أو اقتصادية بحتة، بل هو قضية تمس جوهر الحياة اليومية للمواطنين، وصحتهم، ورفاههم. إن اتخاذ قرار مستنير يستدعي تقييماً شاملاً يوازن بين جميع الأبعاد، مع إيلاء الأولوية لمصلحة الإنسان. ولمتابعة آخر المستجدات والتحليلات المعمقة، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.