عاجل

تقرير صادم: مجلس الحسابات يكشف عن تأثير عدم تفعيل هيئات الحكامة بالمستشفيات الجامعية على القرارات الاستراتيجية

تقرير صادم: مجلس الحسابات يكشف عن تأثير عدم تفعيل هيئات الحكامة بالمستشفيات الجامعية على القرارات الاستراتيجية

كشف تقرير حديث صادر عن المجلس الأعلى للحسابات عن حقائق مقلقة تتعلق بالتدبير المؤسسي داخل عدد من المستشفيات الجامعية الكبرى بالمغرب. ففي ظل التحديات المتزايدة التي تواجه القطاع الصحي، يبرز التقرير بوضوح تأثير عدم تفعيل هيئات الحكامة بالمستشفيات الجامعية على فعالية عملها وكفاءة اتخاذ القرارات الاستراتيجية. هذه الملاحظات لا تقتصر على مجرد مخالفات إجرائية، بل تمتد لتلامس جوهر الأداء المؤسسي وقدرة هذه المرافق الحيوية على تحقيق أهدافها في تقديم رعاية صحية ذات جودة عالية.

خروقات جوهرية في حكامة المؤسسات الصحية العمومية

سجل التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات، الذي يعد مرجعًا أساسيًا في تقييم أداء المؤسسات العمومية، مجموعة من الملاحظات الجوهرية التي تهم بشكل خاص مؤسسات استشفائية جامعية رائدة. يأتي على رأس هذه المؤسسات المستشفى الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، والمستشفى الجامعي محمد السادس بوجدة، والمستشفى الجامعي الحسن الثاني بفاس. وقد أشار المجلس إلى أن هذه المؤسسات لم تلتزم بـالمقتضيات التنظيمية المتعلقة بالمجالس الإدارية والهيئات التشاورية، مما يعوق مساهمتها الفعالة في تجويد حكامة الأجهزة المعنية. تتجلى هذه الخروقات في عدم انتظام عقد دورات المجالس الإدارية، وهي ظاهرة تؤثر بشكل مباشر على تدبير هذه الأجهزة، وبخاصة فيما يتعلق باعتماد برامج عملها والميزانيات المرصودة لها، واتخاذ القرارات الاستراتيجية التي تحدد مسارها المستقبلي.

تأثير عدم تفعيل هيئات الحكامة بالمستشفيات الجامعية على الأداء الاستراتيجي

إن تأثير عدم تفعيل هيئات الحكامة بالمستشفيات الجامعية يتعدى الجانب الإداري البحت ليلامس عمق الأداء الاستراتيجي. فالمجالس الإدارية، كونها أول هيئة للحكامة على مستوى الأجهزة، تلعب دورًا محوريًا في توجيه المؤسسة. وقد كشفت محاضر الفحص أن المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بوجدة، على سبيل المثال، عقد مجلسه الإداري مرة واحدة سنويا فقط في عدة فترات، بدلًا من مرتين على الأقل، بل ولم ينعقد بالمرة في سنوات أخرى. الوضع لم يكن أفضل بكثير في المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس ومستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، حيث سجلت نفس الملاحظات حول عدم انتظام عقد الدورات.

تترتب على هذا الإخلال عواقب وخيمة، منها:

  • تأخير أو تعطيل اعتماد برامج العمل: مما يؤثر على التخطيط الطويل الأمد وتنفيذ المشاريع الحيوية.
  • صعوبة المصادقة على الميزانيات: البعض يلجأ إلى ميزانيات تعديلية دون عرضها على المجلس الإداري، مما يفقدها الشرعية ويعرضها للمخاطر المالية.
  • عدم اتخاذ القرارات الاستراتيجية في حينها: وهو ما يعيق تطور المؤسسة وقدرتها على الاستجابة للتحديات المتغيرة في قطاع الصحة.
  • غياب الرقابة الفعالة: مما يفتح الباب أمام تجاوزات محتملة أو ضعف في المساءلة.

نطاق التوصيات: دعوة لتجويد شامل

لم يكتفِ المجلس الأعلى للحسابات برصد هذه الاختلالات، بل قدم توصيات واضحة ومحددة تهدف إلى تفعيل وتجويد عمل هيئات الحكامة. تركز هذه التوصيات بشكل خاص على المجالس الإدارية، وتشدد على ضرورة:

  1. الانتظام في عقد الدورات: الالتزام بالتواريخ المحددة قانونًا لضمان استمرارية الرقابة والتوجيه.
  2. اعتماد أنظمة داخلية: تحدد بوضوح مهام وصلاحيات كل هيئة وأعضائها.
  3. وضع مواثيق للأخلاقيات: لترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة.

هذه التوصيات لا تقتصر على المستشفيات الجامعية فحسب، بل تمتد لتشمل مؤسسات عمومية أخرى، مثل الوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء البحرية والمكتب الوطني المغربي للسياحة، حيث سجلت ملاحظات مماثلة حول عدم انتظام عقد دورات مجالسها الإدارية واللجوء المتكرر إلى ميزانيات تعديلية دون المصادقة عليها، مما يؤكد أن المشكلة تكتسي طابعًا هيكليًا في بعض جوانب تدبير القطاع العام.

الطريق نحو حكامة رشيدة: تحديات وفرص

إن التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات يمثل جرس إنذار للمسؤولين عن المؤسسات العمومية بشكل عام، والمستشفيات الجامعية على وجه الخصوص. إن أهمية تفعيل هيئات الحكامة لا تقتصر على الامتثال للقوانين التنظيمية، بل هي أساس لضمان الفعالية والشفافية والمساءلة في تدبير الموارد العامة وتقديم خدمات ذات جودة للمواطنين. فالاستثمار في حكامة قوية يعني الاستثمار في مستقبل أفضل للمؤسسات الصحية العمومية وقدرتها على تحقيق رسالتها النبيلة.

يتطلب تجاوز هذه التحديات التزامًا جماعيًا من كافة الأطراف المعنية، بدءًا من الإدارة العليا وصولًا إلى الهيئات الإدارية والتشاورية، مع ضرورة تعزيز ثقافة المساءلة والشفافية. إن تجويد الحكامة يمثل فرصة حقيقية لتعزيز ثقة المواطنين في مؤسساتهم ولضمان أن القرارات المتخذة تخدم الصالح العام بفعالية وكفاءة.

للمزيد من الأخبار والتحليلات المتعمقة حول قضايا الحكامة والتدبير العمومي، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.