عاجل

المرأة المغربية على مفترق طرق: تحديات فجوة تنفيذ التشريعات وتمكينها اقتصاديًا

المرأة المغربية على مفترق طرق: تحديات فجوة تنفيذ التشريعات وتمكينها اقتصاديًا

في كل عام، يمثل الثامن من مارس مناسبة عالمية لتسليط الضوء على إنجازات المرأة وتحدياتها المستمرة. في المغرب، وعلى الرغم من التقدم المحرز على الصعيد التشريعي، لا يزال واقع النساء يواجه عوائق بنيوية تمنع التمكين الشامل والعدالة الفعلية. فاليوم، نحن أمام مفارقة تتمثل في تراكم ترسانة قانونية مهمة، يقابلها استمرار لـ فجوة تنفيذ التشريعات وتمكين المرأة المغربية اقتصاديًا، وهي إشكالية تتطلب قراءة واقعية وصريحة.

لقد شهدت العقود الأخيرة تحولاً ملحوظاً في الإطار القانوني المغربي المتعلق بحقوق المرأة. فمن مدونة الأسرة لسنة 2004، التي شكلت نقلة نوعية في حينها، إلى قانون مكافحة العنف ضد النساء (103-13) المصادق عليه سنة 2018، مروراً بقانون الجنسية الذي أتاح للمرأة المغربية منح جنسيتها لأبنائها، كلها مكتسبات تسجل في خانة التقدم. هذه النصوص، مدعومة بالتزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، رسمت مساراً نحو تحقيق المساواة وتعزيز دور المرأة في المجتمع.

تحديات التطبيق: الفجوة بين النص والواقع المعاش

على الرغم من هذا التطور التشريعي، تُبرز الفاعلات الحقوقيات والمدنيات وجود فجوة عميقة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي على أرض الواقع. هذا التباين ليس مجرد إشكالية إجرائية، بل هو انعكاس لتحديات بنيوية متجذرة في الثقافة المجتمعية، وفي طبيعة بعض السياسات العمومية التي لم ترقَ بعد إلى مستوى تحقيق المساواة الشاملة. فكثيراً ما تصطدم القوانين بعوائق اجتماعية، وأحياناً ببعض أشكال التمييز غير المعلنة، التي تقلل من أثر هذه المكتسبات.

تُعدّ هذه الفجوة أكبر العوائق أمام التقدم الحقيقي. فمثلاً، قانون مكافحة العنف، رغم أهميته، لا يزال يواجه صعوبات في التطبيق الفعال، سواء على مستوى الإثبات أو طول وتعقيد المساطر القضائية. كما أن غياب مجانية التقاضي يمثل عائقاً كبيراً أمام ضحايا العنف، خاصة من الفئات الهشة والفقيرة، اللواتي لا تتوفر لديهن الإمكانيات لتوكيل محامين للدفاع عن حقوقهن.

فجوة تنفيذ التشريعات وتمكين المرأة المغربية اقتصاديًا: معركة الأرقام والواقع

في صلب التحديات الراهنة، يبرز ضعف التمكين الاقتصادي للمرأة المغربية كإشكالية محورية. فنسبة مشاركة النساء في سوق الشغل بالمغرب تبقى من بين الأضعف على الصعيد الإقليمي، حيث تتركز أعداد كبيرة منهن في قطاعات هشة وغير مهيكلة، تفتقر لأدنى شروط الحماية الاجتماعية. تزداد هذه الهشاشة وضوحاً في العالم القروي والمناطق الجبلية، حيث تعاني النساء من صعوبات مضاعفة في الوصول إلى التعليم، الخدمات الصحية، والموارد الاقتصادية الأساسية.

الأرقام المتوفرة صادمة: تشير دراسات حديثة إلى أن نسبة النساء اللواتي يمتلكن حسابات بنكية لا تتجاوز 20 في المائة، مقابل ما بين 60 و65 في المائة لدى الرجال. فكيف يمكن الحديث عن استقلالية مالية وتمكين اقتصادي حقيقي في ظل هذا التفاوت الصارخ؟ إن هذا الواقع يتطلب تدخلاً عاجلاً ليس فقط على المستوى التشريعي، بل أيضاً من خلال سياسات عمومية تستهدف الإدماج المالي والاقتصادي الفعلي للنساء، وتقديم حلول ملموسة لهذه فجوة تنفيذ التشريعات وتمكين المرأة المغربية اقتصاديًا.

العنف ضد النساء: أشكال متغيرة وتحديات متواصلة

رغم إقرار قانون مكافحة العنف سنة 2018، تظل ظاهرة العنف ضد النساء واحدة من أبرز التحديات. لم تعد أشكال العنف مقتصرة على الفضاء الأسري أو العام التقليدي، بل تطورت لتشمل أشكالاً جديدة ومعقدة، مثل العنف الرقمي والنفسي، التي يصعب إثباتها قضائياً. هذه الأشكال الجديدة تضع ضغطاً إضافياً على المنظومة القضائية والاجتماعية.

من الضروري تعزيز آليات التكفل بضحايا العنف، بما في ذلك تكوين المسؤولين في خلايا الاستماع والدعم، وإحداث مراكز متخصصة للدعم النفسي. فالآثار النفسية للعنف عميقة وتتطلب رعاية متخصصة، وهنا يقع على عاتق وزارة الصحة والحماية الاجتماعية مسؤولية كبيرة لضمان حصول الضحايا على العلاج والدعم اللازمين دون التعرض لأي شكل آخر من أشكال الإيذاء.

مدونة الأسرة: نحو إصلاح جذري يحقق العدالة

يعد النقاش الدائر حول مراجعة مدونة الأسرة محطة حاسمة. فالمجتمع المغربي اليوم أمام خيارين: إما الاكتفاء بإصلاحات جزئية قد لا تعالج جوهر الاختلالات، أو الانخراط في إصلاح عميق وجذري يضمن المساواة الفعلية داخل الأسرة ويعزز العدالة بين الجنسين. قضايا مثل النفقة، الحضانة، وتقاسم الثروة الأسرية، لا تزال تكشف عن اختلالات عميقة تمس الأمن الاقتصادي والاجتماعي للمرأة.

إن الحركة النسائية والمدنية في المغرب، التي راكمت خبرة واسعة في الدفاع عن قضايا المساواة، تطالب اليوم بأكثر من مجرد اعتراف رمزي. تطالب بالحقوق الكاملة، والعدالة الفعلية، والمشاركة المتكافئة في الثروة والسلطة وصنع القرار، مستفيدة من اتساع مستوى الوعي الحقوقي وتزايد حضور النساء في الفضاء العام.

نحو رؤية مستقبلية: تفعيل المؤسسات وتغيير العقليات

لتحقيق التمكين الشامل، يتوجب على المغرب تسريع وتيرة إخراج وتفعيل المؤسسات الدستورية، مثل هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، المنصوص عليها في الفصل 19 من الدستور، والتي لم تر النور بعد مرور أكثر من عقد على إقرارها. كما أن تفعيل القوانين القائمة وضمان احترام التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان يبقى أمراً جوهرياً.

لا يقتصر التغيير على المستوى التشريعي والمؤسساتي فحسب، بل يمتد ليشمل ضرورة تغيير الصور النمطية والتمثلات الاجتماعية التي تغذي العنف والتمييز ضد النساء. وهذا يتطلب إدماج برامج تربوية وتوعوية داخل المناهج والأنشطة التربوية، بهدف بناء جيل واعٍ بقيم المساواة والاحترام. إن الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، تواصل تسليط الضوء على هذه القضايا الحيوية لدعم مسيرة التنمية.

في الختام، إن تمكين النساء ليس قضية تخص النساء وحدهن، بل هو شرط أساسي لأي مشروع تنموي وديمقراطي حقيقي. إن الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة يجب أن يتحول من مناسبة رمزية إلى لحظة مساءلة جماعية للسياسات العمومية ومدى قدرتها على تحقيق المساواة والعدالة المنصوص عليهما في الدستور، والعمل على ردم فجوة تنفيذ التشريعات وتمكين المرأة المغربية اقتصاديًا بشكل ملموس وشامل.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.