شهدت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، مساء الخميس، مناقشة مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، وسط خلافات حادة حول المادة 50 منه. وينص الفصل على حظر أشكال الاحتجاج، كالوقفات الاحتجاجية وإطلاق الشعارات داخل قاعات المحاكم أثناء انعقاد الجلسات، وهو ما اعتبره عدد من النواب مساساً بحق التعبير والاحتجاج.
وقد تم اعتماد النص في نهاية المطاف، ليلة الخميس 14 ماي 2026، بأغلبية 16 صوتاً مقابل 7 أصوات، دون أي امتناع، مع الإبقاء على الحظر المذكور رغم المطالب المتكررة من نواب المعارضة بحذفه. وتنص المادة 50، في فقرتها الأولى، على أنه “يمتنع على المحامين الاتفاق فيما بينهم على التوقف الكامل عن تقديم المساعدة الواجبة للعدالة، سواء في الجلسات أو في إطار الإجراءات”. لكن الفقرة الثانية هي التي أثارت الجدل الأكبر، بحظرها أشكال الاحتجاج داخل الفضاءات القضائية أثناء انعقاد الجلسات.
وفي مواجهة الانتقادات، رفض وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، بشكل قاطع التعديلات الداعية إلى إلغاء هذا الحكم. وأكد أن ضمان سير العمل العادي للمحاكم يستلزم منع أي “تعطيل” أو إرباك للجلسات. وقال الوزير خلال المناقشات: “حق الإضراب مضمون، لكن لا يمكن أن يكون هناك فوضى”، معتبراً أن بعض التعبئة في الماضي تجاوزت، في رأيه، حدود حق الاحتجاج المشروع.
من جهته، اعترض النائب محمد الشبيري عن حزب الأصالة والمعاصرة على جدوى هذا الإجراء. وتساءل عما إذا كانت هناك إحصاءات دقيقة بشأن تحركات المحامين الاحتجاجية يمكن أن تبرر تقييدها في القانون. وأشار إلى أن هذا التساؤل يطرح مباشرة “مسألة الحاجة الفعلية لهذا الحكم”. واتخذت النائبة فاطمة التمني عن فيدرالية اليسار الديمقراطي الموقف نفسه، داعية إلى حذف الفقرة الثانية كلياً. وذكرت أن إدراج هذا الحظر في قانون ينظم مهنة المحاماة غير مبرر، لأن الاحتجاج وإطلاق الشعارات هما من الحقوق التي يكفلها الدستور والاتفاقيات الدولية، وأكدت أن المحامين لا يلجأون إلى هذه الأشكال من التعبئة إلا في حالات استثنائية، تتعلق بالدفاع عن العدالة وحقوق المواطنين. وحذرت قائلة: “تكريس هذا الحظر يعني تقييد الحريات”.
وردا على ذلك، دافع وهبي بقوة عن الإبقاء على الحكم المثير للجدل، مؤكداً أن الأمر لا يتعلق أبداً بالمساس بحق الإضراب، بل بمنع تحوله إلى “وسيلة لمنع المحامين الآخرين من العمل أو تعطيل الجلسات”. واستشهد الوزير بتحركات اجتماعية سابقة قال إنه تابعها عن كثب، تجمعت خلالها مجموعات من المحامين داخل المحاكم لمنع انعقاد الجلسات. واعتبر أن هذه الحالة غير متوافقة مع سير العدالة العادي. وشدد على أن “من يريد ممارسة حقه في الإضراب حر في ذلك، لكن لا يمكنه منع الآخرين من ممارسة مهنتهم”، رافضاً أي فكرة لمنع المحامين من دخول المحاكم أو المشاركة في الجلسات. وأكد الوزير أن الفضاء القضائي لا يمكن أن يصبح مكاناً للتعطيل الدائم، معتبراً أن “المبدأ الأساسي يظل احترام الديمقراطية وحرية التعبير والتعددية، وأن المؤسسة القضائية محترمة ويجب احترامها”.
كما تطرق النقاش إلى الآثار الملموسة للتحركات الاحتجاجية على حقوق المتقاضين، لاسيما المعتقلين. وحذر عبد اللطيف وهبي من تأجيل الجلسات الذي قد يمتد لأشهر عدة بسبب الإضرابات والمظاهرات المنظمة في المحاكم. وتساءل الوزير قائلاً: “هناك متهمون يواجهون عقوبة الإعدام أو السجن ثلاثين عاماً، بينما تتأخر ملفاتهم بسبب الشعارات والاحتجاجات في المحاكم. أين حقوق هذا المواطن المهدد بالسجن؟” وفي السياق نفسه، قارن الوزير سير عمل القضاء بقطاع الصحة، معتبراً أن الحركة الإضرابية لا ينبغي أن تؤدي إلى شلل تام في الخدمات الأساسية. وقال: “عندما يضرب الأطباء، تستمر أقسام الطوارئ في العمل”، معتبراً أنه من غير المعقول أن يُمنع محامٍ من دخول المحكمة بينما موكله معتقل أو ينتظر جلسة حاسمة. كما أشار الوزير إلى العواقب الاجتماعية لهذه التأجيلات، مستشهداً بقضايا النفقة أو القضايا المتعلقة بأشخاص موضوعين تحت الحراسة النظرية.
ومن المتوقع أن يحال مشروع القانون، بعد مصادقة اللجنة عليه، إلى الجلسة العامة للبرلمان للمناقشة والتصويت النهائي، وسط توقعات باستمرار الجدل حول المادة 50 التي تبقى محل خلاف بين الأغلبية والمعارضة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك