نيودلهي ـ دعا محمد مالكي، سفير المغرب في الهند وعميد السلك الدبلوماسي الإفريقي والعربي في نيودلهي، إلى شراكة أكثر شمولاً بين الهند وأفريقيا، تقوم على أسس الإبداع المشترك ونقل التكنولوجيا وآليات تمويل أكثر مرونة.
جاء ذلك خلال مشاركته في طاولة مستديرة نظمها معهد مانوهار باريكار للدراسات والتحليلات الدفاعية، بمناسبة يوم إفريقيا 2026، وفق ما أفادت به مصادر دبلوماسية.
وأكد مالكي أن العلاقات بين إفريقيا والهند مدعوة إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة تركز على النتائج والمنافع المشتركة وتعزيز القدرات المحلية، تزامناً مع استعداد العاصمة الهندية لاستضافة القمة الرابعة لمنتدى الهند وإفريقيا الأسبوع المقبل.
وأشار الدبلوماسي المغربي إلى أن الشراكة بين الجانبين ينبغي أن تتطور من التعاون القائم بشكل كبير على خطوط الائتمان وبرامج التدريب إلى منطق أكثر تكاملاً يركز على المشاريع المشتركة وتطوير المهارات والاستثمارات العادلة ونقل التكنولوجيا.
وفي هذا السياق، استحضر مالكي الرؤية التي عبر عنها الملك محمد السادس في خطابه أمام المنتدى الاقتصادي المغربي الإيفواري بأبيدجان عام 2014، والتي مفادها أن إفريقيا القوية بمواردها وإمكانياتها وكوادرها الحية، يجب أن تعتمد على نفسها وتثق في قدراتها وتفضل الشراكات ذات المنفعة المتبادلة بدلاً من منطق المساعدة.
وبخصوص تطور منتدى الهند وإفريقيا، أشار مالكي إلى أن النسختين الأوليين اللتين عقدتا عام 2008 في نيودلهي وعام 2011 في أديس أبابا، كانتا ذات أهمية رمزية لكنهما لم تعكسا بشكل كامل تنوع وتطلعات الدول الإفريقية البالغ عددها 54 دولة.
أما القمة الثالثة التي عقدت في أكتوبر 2015 بنيودلهي، فاعتبر مالكي أنها شكلت نقطة تحول كبرى، بعد أن وجهت الهند الدعوة لجميع الدول الإفريقية الأعضاء في الأمم المتحدة، مما حول الحوار إلى منصة إفريقية حقيقية تقوم على المساواة والمنفعة المتبادلة والتعاون الموجه نحو العمل.
واستعرض مالكي حجم التمويلات الهندية المقدمة لإفريقيا، مشيراً إلى أن الهند وافقت على خطوط ائتمان ميسرة بقيمة 9 مليارات دولار لحوالي 140 مشروعاً في أكثر من 40 دولة إفريقية، وأعلنت في قمة 2015 عن 10 مليارات دولار إضافية للفترة 2016-2020 و600 مليون دولار كمنح.
ولفت إلى أن هذه الالتزامات أسفرت عن إنجازات ملموسة في البنية التحتية وبناء القدرات، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن خطوط الائتمان، رغم فائدتها، أظهرت أحياناً حدودها بسبب شروطها الصارمة أو عدم ملاءمتها للأولويات الإفريقية.
ودعا مالكي إلى آليات تمويل أكثر مرونة تقوم على تقييم مشترك للاحتياجات، ومزيج أفضل بين المنح والاستثمارات الرأسمالية، بالإضافة إلى شروط ميسرة مرتبطة بأثر قابل للقياس على التنمية.
وأوضح السفير أن الهند تمتلك مزايا مهمة في مجالات الابتكار الرقمي والطاقات المتجددة والأدوية والزراعة والتطبيقات الفضائية، وهي قطاعات قادرة على دعم النهضة الاقتصادية والاجتماعية لإفريقيا وفق أجندة 2063.
من جهة أخرى، أشار مالكي إلى أن إفريقيا تغيرت هي الأخرى بشكل عميق، بفضل جيل جديد من القادة ورجال الأعمال وشباب يبحث عن شراكات رابحة وموارد طبيعية كبيرة وأسواق ديناميكية واستثمارات داخل إفريقيا في ازدياد.
وعلى المستوى الدولي، رأى مالكي أن الهند، بتقليدها في عدم الانحياز المتكيف مع الواقع الحالي، يمكن أن تشكل لإفريقيا شريكاً موثوقاً ملتزماً بالتعددية القطبية وإصلاح الحوكمة العالمية والتنسيق جنوب جنوب، خاصة في الأمم المتحدة ومجموعة العشرين.
واعتبر أن إدراج الاتحاد الإفريقي في مجموعة العشرين خلال الرئاسة الهندية عام 2023 شكل خطوة تاريخية تعكس التزاماً مشتركاً بنظام عالمي أكثر توازناً.
وتوقعاً للقمة المقبلة لمنتدى الهند وإفريقيا، جدد مالكي دعوته إلى ضمان منصة قارية حقيقية تتيح لكل دولة إفريقية إسماع صوتها وتعزز المشاريع الثلاثية المشتركة مع الدول الإفريقية التي تملك خبرة في التنمية الاقتصادية والاستثمار داخل القارة.
واستشهد في هذا الصدد بالمغرب، ثاني مستثمر إفريقي في القارة خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء، وذو خبرة في قطاعات البنوك والفوسفات والاتصالات والبنية التحتية. واعتبر أن التعاون بين المغرب والهند وشركاء إفريقيين آخرين يمكن أن يسهم في ظهور نماذج تعاون جنوب-جنوب-جنوب متكاملة.
وشارك في الطاولة المستديرة التي نظمت تحت شعار «الشراكة الإفريقية الهندية: نحو مستقبل مشترك»، كيرتي فاردان سينغ، وزير الدولة الهندي للشؤون الخارجية، إلى جانب عدد من السفراء الأفارقة ودبلوماسيين وباحثين وخبراء.
يذكر أن معهد مانوهار باريكار للدراسات والتحليلات الدفاعية يتبع وزارة الدفاع الهندية، ويعد أحد مراكز الفكر الرائدة في البلاد، ويعمل كمنصة للبحث والتحليل في قضايا الأمن والدفاع والعلاقات الدولية.
ومن المتوقع أن تشهد القمة الرابعة لمنتدى الهند وإفريقيا التي ستعقد في نيودلهي الأسبوع المقبل، نقاشات حول آليات تعزيز التعاون الاقتصادي وتبادل التكنولوجيا، مع التركيز على تحويل الشراكات القائمة إلى نماذج أكثر إنصافاً وإنتاجية، تماشياً مع تطلعات القارة الإفريقية وأجندتها التنموية 2063.
التعليقات (0)
اترك تعليقك