عاجل

غلاء المعيشة في المغرب: ثمن السيادة الاقتصادية غير المكتملة

غلاء المعيشة في المغرب: ثمن السيادة الاقتصادية غير المكتملة

يشهد المغرب موجة من غلاء المعيشة التي تثير تساؤلات عميقة حول بنية الاقتصاد الوطني. في تحليل جديد، يربط الخبير الاقتصادي يوسف كراوي الفيلالي، رئيس المركز المغربي للحوكمة والتسيير، بين ارتفاع الأسعار وعدم اكتمال السيادة الاقتصادية. فالتضخم ليس مجرد ظاهرة نقدية، بل هو انعكاس لتبعية خارجية وضعف في سلاسل التوزيع والرقابة.

جذور غلاء المعيشة: بين الصدمات الخارجية والهشاشة الداخلية

يرى الفيلالي أن الصدمات الخارجية، مثل الحرب في أوكرانيا وتوترات الشرق الأوسط، كشفت عن هشاشة داخلية. فبينما تراجعت معدلات التضخم إلى 1-2%، لا يزال المواطن يعاني من أسعار مرتفعة. ويوضح: “عندما نقول إن التضخم عند 2%، فهذا يعني أن الأسعار التي ارتفعت من 10 إلى 15 درهماً ستبقى عند 15 درهماً وقد تزيد”. هذا التراكم التضخمي، الذي قد يصل إلى 30% على مدى سبع إلى عشر سنوات، يجعل غلاء المعيشة أزمة هيكلية.

من الطماطم إلى اللحم: كيف تتضخم الأسعار في سلاسل التوزيع؟

تقدم الطماطم مثالاً صارخاً: تباع بثلاثة أو أربعة دراهم للكيلوغرام في المصدر، لكنها تصل إلى المستهلك بـ12 إلى 15 درهماً. الفارق يعود إلى تعدد الوسطاء، حيث يرى الفيلالي أن وجود أكثر من وسيطين يتحول إلى مضاربة. ويضيف: “عندما يكون لديك خمسة أو ستة وسطاء، فأنت أمام مضاربين”. نفس المنطق ينطبق على اللحوم الحمراء التي تتراوح بين 120 و140 درهماً للكيلوغرام، والأضحية التي بلغت أسعارها 3000 إلى 10,000 درهم.

الرقابة على الأسعار: من المصدر إلى المستهلك

يدعو الفيلالي إلى تحويل الرقابة من الحلقة الأخيرة إلى المصدر. ويقول: “إذا أردت حل المشكلة، يجب أن تتصرف عند المصدر”. ذلك يعني تتبع سلسلة القيمة من المنتج إلى المستهلك، ومعرفة تكلفة الإنتاج والهوامش. هذا يتطلب تنسيقاً بين وزارات الداخلية والفلاحة والتجارة.

الدعم العمومي: هل يصل إلى المواطن؟

يشير الفيلالي إلى أن ميزانيات الدعم، مثل 437 مليون درهم لدعم الماشية، قد لا تصل إلى المواطن إذا لم ترافقها آليات رقابة. ويطالب بتدقيق من الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب حول أثر هذه المساعدات على القدرة الشرائية. ويقترح توجيه الدعم مباشرة للأسر الضعيفة، بدلاً من دعم المهنيين دون ضمان انعكاسه على الأسعار.

السيادة الاقتصادية: من الإنتاج إلى التصنيع

يرى الفيلالي أن غلاء المعيشة يعكس سيادة اقتصادية غير مكتملة. فالمغرب، رغم تقدمه في صناعات السيارات والطيران، لا يزال يعتمد على استيراد المواد الأساسية كالقمح والطاقة. ويضرب مثالاً بالطماطم: المغرب ثالث مصدر عالمي، لكنه غائب عن قائمة أكبر عشرين مصدراً لمركز الطماطم. ويقول: “نحتاج إلى تعاونيات ومقاولات فلاحية تحول منتجاتنا”.

الطاقة والقمح: اختبار السيادة

توقف مصفاة سامير يعد مثالاً على هشاشة السيادة الطاقية. كما أن استيراد القمح والغاز يعرض المغرب لتقلبات الأسعار العالمية، مما يثقل كاهل الميزان التجاري. ويرى الفيلالي أن “تنافسية أي دولة تقاس بميزانها التجاري، ونحن نعاني عجزاً هيكلياً”.

الحلول: دعم مباشر وإصلاح ضريبي

يقترح الفيلالي تخفيض الضريبة على الدخل بنسبة 4% بدلاً من 1%، لتعزيز القدرة الشرائية وتحفيز الادخار. كما يدعو إلى دعم مباشر للأسر الضعيفة بقيمة 500 إلى 1000 درهم، يستفيد منه 11 إلى 12 مليون شخص. ويختتم: “القوة الشرائية لم تعد مجرد قضية اجتماعية، بل أصبحت مقياساً للسيادة الاقتصادية”.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.