صمت الحكومة يغذي الإشاعات: قراءة في موقف بنعلي من أحداث سبتة
في خضم الأحداث المؤلمة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة مؤخراً، خرج المصطفى بنعلي، الأمين العام لحزب جبهة القوى الديمقراطية، بتصريحات لاذعة انتقد فيها بشدة ما وصفه بـ”صمت الحكومة” الذي يغذي الإشاعات ويكرس حالة من الغموض والبلبلة في الرأي العام. فبينما تتوالى الروايات وتتناقض الأرقام حول ما جرى، يرى بنعلي أن الفراغ التواصلي للحكومة يترك المجال واسعاً لتناسل الشائعات وتضخيم الأحداث، مما يهدد الثقة في المؤسسات ويضعف الجبهة الداخلية.
وأوضح بنعلي، في كلمة ألقاها خلال الجلسة الختامية للمؤتمر الوطني السابع لمنظمة مبادرات الشباب المغربي، أن مشاهد الاقتحام الجماعي لسبتة المحتلة كانت بمثابة “جرس إنذار حقيقي” و”رسالة قوية مكتوبة بلغة اليأس”، مشيراً إلى أن هذه الأحداث تكشف عن خلل عميق يجب معالجته فوراً. وأضاف أن “لا خوف على عمل المؤسسات في تحصين السيادة الوطنية للمملكة”، لكنه شدد على أن تحصين السيادة يبدأ بتحصين الجبهة الداخلية وصون كرامة المواطن.
التواصل المؤسساتي الشفاف: حق ديمقراطي أم رفاهية؟
في تحليل لافت، ميز بنعلي بين “تدبير الدولة” و”تدبير الحكومة” للأزمة، حيث قال: “الجميع يفهم الصمت الإستراتيجي للدولة المغربية ويقدره، لكننا لا نفهم الفراغ التواصلي للحكومة”. هذا التمييز يعكس رؤية سياسية عميقة تدرك أن الدولة تتحرك بحكمة وتأنٍ في الملفات السيادية الحساسة، بينما الحكومة مطالبة بالتواصل الفوري والشفاف مع المواطنين. فالتواصل المؤسساتي الشفاف، بحسب بنعلي، ليس مجرد رفاهية أو خيار، بل هو “حق ديمقراطي للمواطنين” ووسيلة أساسية لبناء الثقة بين الحاكم والمحكوم.
ويضيف بنعلي أن سياسة الصمت التي تنتهجها الحكومة في مثل هذه الأحداث تترك المواطنين فريسة للإشاعات والتأويلات، مما يزيد من حدة الانفعالات الجماعية ويضعف القدرة على معالجة الأزمة بشكل عقلاني. فبدلاً من تقديم معلومات دقيقة وموثوقة، تترك الحكومة المجال مفتوحاً لكل من هب ودب ليملأ الفراغ بروايات مغلوطة وأرقام مضخمة، وهو ما يضر بالمصلحة الوطنية العليا.
الشباب المغربي: بين اليأس والأمل
لم يقتصر خطاب بنعلي على نقد الحكومة، بل توجه مباشرة إلى الشباب المغربي، الذي يعاني من الإحباط والبطالة وتدهور الأوضاع الاقتصادية. وقال بنعلي: “مستقبل شباب المغرب في وطنه، ومستقبل المغرب في شبابه”، مؤكداً أن الهجرة غير النظامية أو المخاطرة بالحياة في قوارب الموت ليست حلاً أبداً. ودعا الشباب إلى تحويل هذا الإحباط إلى طاقة إيجابية للمطالبة بالتغيير عبر الوسائل الديمقراطية، قائلاً: “صوتكم في صندوق الاقتراع أقوى بكثير من المجازفة في قوارب الموت”.
كما دعا بنعلي إلى إعادة هيكلة السياسات الاقتصادية لتكون موجهة لخدمة الفئات الهشة، وخلق فرص عمل حقيقية تضمن كرامة الشباب وتحميهم من اليأس. وحث المنظمة الشبابية لحزبه على الترافع المؤسساتي من أجل إقرار إستراتيجية وطنية مندمجة تتبنى “رؤية 2030 لشباب المغرب”، بما يعيد هذه الفئة إلى قلب المعادلة التنموية ويشركها فعلياً في صناعة القرار.
الانتخابات المقبلة: فرصة لمعاقبة السياسات الفاشلة
وفي سياق متصل، اعتبر بنعلي أن المحطة الانتخابية القادمة تمثل فرصة حقيقية لمعاقبة السياسات الفاشلة ديمقراطياً، داعياً الشباب إلى المشاركة الفاعلة في الانتخابات واستخدام أصواتهم كأداة للتغيير. وقال: “في وقت نتفهم حجم الإحباط يجب أن نكون واضحين وصادقين؛ فالإلقاء بالنفس في البحر أو اختراق الحدود ليس هو الحل، ولن يكون أبداً”. وأكد أن المعركة الحقيقية لانتزاع الحقوق وتحسين الأوضاع يجب أن تُخاض داخل الوطن، ومن خلال مؤسساته، وليس بالهروب منه.
هذا الموقف يعكس قناعة راسخة بأن الديمقراطية هي السبيل الوحيد لتحقيق التغيير المنشود، وأن المشاركة الانتخابية هي السلاح الأقوى في يد المواطن للتعبير عن رفضه للسياسات الفاشلة ومحاسبتها. فالتصويت ليس مجرد واجب وطني، بل هو حق ديمقراطي ومسؤولية تاريخية تقع على عاتق كل مواطن غيور على وطنه.
الوحدة الترابية: ثابت لا مساس به
وجدد بنعلي التأكيد على الموقف الثابت للحزب في الدفاع عن الوحدة الترابية واستكمال التحرير، بما في ذلك المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية. لكنه استدرك بالقول إن البعد السيادي يفرض إدراك أن “تحصين السيادة الوطنية يبدأ أساساً بتحصين الجبهة الداخلية وصون كرامة المواطن”. فالأمن الوطني ليس مجرد حماية للحدود، بل هو أيضاً حماية للمواطنين من اليأس والفقر والتهميش، لأن هذه العوامل هي التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم في الهجرة غير النظامية.
ويشير بنعلي إلى أن معالجة جذور المشكلة تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين البعد الأمني والاجتماعي والاقتصادي، مع إشراك جميع الفاعلين السياسيين والمدنيين في صياغة الحلول. فالتصدي لظاهرة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن يقتصر على الإجراءات الأمنية، بل يجب أن يشمل تحسين الظروف المعيشية وتوفير فرص العمل وتعزيز الثقة في المستقبل.
دور الإعلام في الأزمات: مسؤولية مشتركة
وفي هذا السياق، يبرز دور الإعلام كشريك أساسي في إدارة الأزمات، حيث يتحمل مسؤولية كبيرة في نقل المعلومات بدقة وموضوعية، وتجنب نشر الإشاعات والمبالغات التي تزيد من تأجيج الأوضاع. فالإعلام المهني والمسؤول يمكن أن يساهم في تهدئة الرأي العام وتوجيه النقاش نحو الحلول، بينما الإعلام غير المسؤول يمكن أن يفاقم الأزمة ويزيد من حدة الانقسامات.
لذا، فإن المطالبة بتواصل حكومي شفاف يجب أن تقترن بمطالبة الإعلام بالالتزام بمعايير المهنية والنزاهة، وعدم الانجرار وراء الإثارة والتضخيم. فالمسؤولية مشتركة بين الحكومة والإعلام والمواطنين، وكل طرف مطالب بأداء دوره على أكمل وجه لضمان تدفق المعلومات بشكل صحيح وبناء.
خلاصة: نحو مقاربة جديدة للتواصل الحكومي
في الختام، يمكن القول إن تصريحات بنعلي حول “صمت الحكومة يغذي الإشاعات” تضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بأهمية التواصل الحكومي في الأزمات. فالتواصل الشفاف والفوري ليس مجرد وسيلة لإدارة الأزمات، بل هو ركيزة أساسية لبناء الثقة بين الدولة والمواطنين، وتعزيز الديمقراطية، وتحصين الجبهة الداخلية. فالحكومة التي تختار الصمت في اللحظات الحرجة تترك المجال للإشاعات والتأويلات، مما يضر بالمصلحة الوطنية العليا.
لذا، فإن المطلوب اليوم هو اعتماد مقاربة جديدة للتواصل الحكومي تقوم على الشفافية والمبادرة والاستباقية، مع إشراك جميع الفاعلين في صياغة الرسائل وتوجيهها. فالتواصل ليس ترفاً، بل هو حق ديمقراطي وضرورة استراتيجية، خاصة في ظل التحديات الكبرى التي تواجهها المملكة. وللمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، يمكنكم الاطلاع على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، كما يمكن الرجوع إلى سبتة على ويكيبيديا لفهم السياق التاريخي والجغرافي للمدينة المحتلة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك