يشهد المشهد السياسي المغربي تحولاً لافتاً مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، حيث يبرز الترشح المستقل في الانتخابات التشريعية المغربية 2026 كخيار استراتيجي لعدد من المواطنين الذين يسعون لتجاوز الإطار الحزبي التقليدي. هذه الديناميكية الجديدة تعكس رغبة متزايدة في التجديد السياسي، خاصة في ظل استطلاعات الرأي التي تشير إلى تراجع ثقة المواطنين في الأحزاب، وارتفاع نسب العزوف الانتخابي.
يأتي هذا التوجه في وقت حاسم، حيث يستعد مغاربة من مختلف الجهات لخوض غمار المنافسة الانتخابية بصفة “لا منتمٍ”، معتمدين على الشروط القانونية التي تتيح لهم ذلك، لكنهم يواجهون في المقابل تحديات كبيرة تتعلق بجمع التوقيعات، والتمويل، وبناء قاعدة شعبية.
الشروط القانونية للترشح المستقل: بين الطموح والواقع
ينص القانون التنظيمي لمجلس النواب على أن المترشح المستقل يجب أن يحصل على دعم ما لا يقل عن 200 توقيع من الناخبين المسجلين في الدائرة الانتخابية التي ينوي الترشح فيها. كما تشترط النصوص القانونية تمثيلية نسائية لا تقل عن 30% في الدوائر المحلية، و50% في الدوائر الجهوية، وذلك لضمان مشاركة أوسع للمرأة في العمل السياسي.
هذه الشروط، رغم أنها تهدف إلى ضمان جدية المترشحين، إلا أنها تضع عقبات إضافية أمام المستقلين، خاصة في الدوائر التي تتطلب عدداً أكبر من التوقيعات. ففي بعض الدوائر، قد يتطلب الأمر جمع مئات التوقيعات الإضافية، وهو ما قد يكون مرهقاً من الناحية اللوجستية والمالية.
بالإضافة إلى ذلك، يشترط القانون للاستفادة من الدعم المالي العمومي أن تتضمن اللوائح المستقلة مترشحين من الجنسين مرتبين بالتناوب، وألا يتجاوز سن أي منهم 35 سنة. ويصل هذا الدعم إلى 75% من مصاريف الحملة الانتخابية، وهو ما يمثل فرصة مهمة للمستقلين لتمويل حملاتهم، لكنه يظل مشروطاً بتحقيق شروط صارمة.
تجارب ميدانية: مستقلون يروون قصصهم
من بين الأصوات التي تعلو في هذا السياق، نجد محمد أبو درار، السياسي السابق بجهة كلميم-واد نون، الذي قرر الترشح عن دائرة سيدي إفني. يؤكد أبو درار أنه استوفى العدد المطلوب من التوقيعات، مشيراً إلى أنها تجاوزت 400 توقيع محلي و1000 توقيع جهوي، لكنه يصف الشروط بأنها “صعبة بل جد تعجيزية”، معتبراً أن شرط 200 توقيع عن كل مقعد في الدائرة الانتخابية مجحف، ولا يسمح بوجود مترشحين مستقلين سوى من لديهم امتداد نضالي قوي مع الساكنة.
أبو درار، الذي سبق له الانتماء إلى أحزاب “الحركة الشعبية” و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” و”الأصالة والمعاصرة”، يبرر ترشحه المستقل بخصوصية منطقة سيدي إفني، وبعد “الفضيحة السياسية غير المسبوقة” التي أعقبت وفاة البرلماني عبد الوهاب بلفقيه سنة 2021. ويدعو إلى تصحيح التصورات الخاطئة التي تروج لضرورة انتماء النائب إلى حزب معين لجلب المشاريع، مؤكداً أن الأدوار المنوطة بأعضاء مجلس النواب تتمثل أساساً في التشريع والترافع والمراقبة.
من جهته، قرر علي ابركة، المستشار القانوني والجبائي، خوض الانتخابات في دائرة تنغير بصفة مستقل، بعد أن فشلت محاولاته للاتصال ببعض الأحزاب للحصول على تزكيتها. ويؤكد ابركة أنه تمكن من جمع التوقيعات المطلوبة بعد حوالي أربعة أشهر من العمل الميداني، معرباً عن تفاؤله بالظفر بأحد المقاعد الثلاثة المخصصة لدائرته، رغم المنافسة الشرسة من الوجوه الحزبية المعروفة.
أزمة الثقة في الأحزاب: دافع رئيسي للترشح المستقل
يستند المترشحون المستقلون في خطابهم إلى معطيات ميدانية تعكس أزمة ثقة عميقة في المؤسسات الحزبية. فوفقاً لاستطلاعات الرأي، لا يثق حوالي 80% من المواطنين المغاربة في الأحزاب السياسية، كما تصل نسب العزوف الانتخابي إلى 70% عند احتساب غير المسجلين والمسجلين الذين يمتنعون عن التصويت. ويعبر شباب جيل “زد” عن غضب كبير من هذه الهيئات السياسية، مما يدفعهم إلى البحث عن بدائل.
ويرى أبو درار أنه من الضروري أخذ هذه المعطيات بعين الاعتبار، والاستماع إلى الساكنة، خاصة في ظل عدم تجاوب الأحزاب مع تساؤلاتها الراهنة وغياب الديمقراطية الداخلية في هذه الهيئات. ويضيف أن الترشح المستقل يمثل فرصة لتقديم خطاب سياسي جديد، قائم على القرب من المواطنين والدفاع عن قضاياهم اليومية.
تحديات التمويل والحملات الانتخابية
على الرغم من الدعم المالي العمومي الذي يمكن أن يصل إلى 75% من مصاريف الحملة، إلا أن المستقلين يواجهون تحديات كبيرة في تمويل حملاتهم، خاصة في المراحل الأولى قبل الحصول على هذا الدعم. فجمع التوقيعات يتطلب تنقلاً ولقاءات مع الناخبين، وهو ما يحتاج إلى موارد مالية وبشرية. كما أن الحملات الانتخابية تتطلب وجود فريق عمل، وتنظيم أنشطة، وتوزيع مواد دعائية، وهو ما قد يكون مكلفاً.
بالإضافة إلى ذلك، يواجه المستقلون صعوبة في الوصول إلى وسائل الإعلام، التي غالباً ما تركز على الأحزاب الكبرى ومرشحيها. وهذا يستدعي منهم الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي واللقاءات المباشرة مع الناخبين، وهو ما يتطلب جهداً مضاعفاً.
آفاق نجاح المستقلين في انتخابات 2026
رغم التحديات، يرى مراقبون أن الترشح المستقل قد يشكل مفاجأة في هذه الانتخابات، خاصة إذا تمكن المستقلون من تقديم برامج واضحة وقريبة من انشغالات المواطنين. ففي ظل أزمة الثقة في الأحزاب، قد يجد الناخبون في المستقلين بديلاً أكثر مصداقية، خاصة إذا كانوا معروفين بنزاهتهم وكفاءتهم.
ويشير بعض المحللين إلى أن نجاح المستقلين قد يدفع إلى إصلاح النظام الانتخابي، وجعل الترشح المستقل أكثر سهولة، مما يعزز التنوع السياسي ويوسع قاعدة المشاركة. كما أن وجود مستقلين في البرلمان قد يساهم في تجديد الخطاب السياسي، وكسر هيمنة الأحزاب التقليدية.
في الختام، يمثل الترشح المستقل في الانتخابات التشريعية المغربية 2026 ظاهرة تستحق المتابعة، إذ تعكس تحولات عميقة في الثقافة السياسية المغربية. وبينما يواجه المستقلون عقبات كبيرة، فإن إصرارهم على خوض التجربة يبعث برسالة أمل في إمكانية تجديد الحياة السياسية، وجعل المؤسسات أكثر استجابة لتطلعات المواطنين. وستكون نتائج هذه الانتخابات اختباراً حقيقياً لقدرة المستقلين على ترك بصمتهم في المشهد السياسي المغربي.
للمزيد من المعلومات حول النظام الانتخابي المغربي، يمكنكم الاطلاع على الانتخابات في المغرب على ويكيبيديا. وللاطلاع على آخر الأخبار السياسية، زوروا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك