أهمية الغابات في المغرب: أكثر من مجرد مساحات خضراء
تُعد أهمية الغابات في المغرب محوراً حيوياً في النقاش حول التنمية المستدامة والأمن الغذائي، إذ لا تقتصر هذه الثروة الطبيعية على كونها رئة بيئية تحمي التنوع البيولوجي فحسب، بل تمتد لتشكل ركيزة اقتصادية واجتماعية بالغة الأثر. وفقاً لتقرير مشترك صادر عن منظمة الأغذية والزراعة (FAO) وتحالف المناظر الطبيعية، تبلغ القيمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للغابات المغربية نحو 17 مليار درهم سنوياً، وهو رقم يعكس إسهامها المتعدد الأوجه في حياة الملايين.
يمتد الغطاء الغابوي على ما يقارب 9 ملايين هكتار، أي ما يعادل 12% من المساحة الإجمالية للبلاد. وتتنوع وظائف هذه النظم البيئية بين حماية التربة، وتنظيم دورة المياه، وإنتاج الأخشاب والفلين والنباتات الطبية والعطرية، مما يجعلها دعامة أساسية للاقتصاد الوطني. وتشير التقديرات إلى أن القطاع الغابوي يسهم بنحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر ما بين 8 و10 ملايين يوم عمل سنوياً، أي ما يعادل 50 ألف فرصة عمل دائمة.
دور الغابات في الأمن الغذائي وتغذية الماشية
يُبرز التقرير الدولي – الذي خصص للمغرب واحدة من خمس دراسات حالة إلى جانب الصين وجمهورية الدومينيكان وتركيا وأوروغواي – الدور الخفي للغابات في تأمين الغذاء. ففي المغرب، تساهم المراعي الغابوية في تغطية حوالي 17% من احتياجات القطيع الوطني، مما يخفف الضغط على الأعلاف المشتراة ويدعم إنتاج اللحوم والحليب. هذا الدور لم يكن دائماً في صلب السياسات العمومية، لكنه اليوم محور اهتمام متزايد نظراً لتأثيره المباشر على الأمن الغذائي للفئات الريفية.
علاوة على ذلك، توفر الغابات مجموعة واسعة من المنتجات التي تُستهلك مباشرة أو تُسوق، مثل الخروب، والنبق، والبلوط، والفطر البري، والعسل (خاصة عسل الزعتر والأرز)، بالإضافة إلى النباتات العطرية والطبية. وتشكل هذه الموارد مصدر دخل مهم للعديد من الأسر القروية، لا سيما في المناطق الجبلية والهضاب.
غابة الأركان: نموذج للاقتصاد الاجتماعي والتضامني
تُجسد شجرة الأركان، التي تعد رمزاً وطنياً، الدور الاجتماعي والاقتصادي للغابات. فوفقاً لبيانات التقرير، يستفيد أكثر من 3 ملايين شخص من تسويق زيت الأركان، بينهم 1.6 مليون في المناطق القروية. وتشارك أكثر من 850 تعاونية نسائية و500 شركة خاصة في تحويل وتسويق منتجات الأركان، مما يجعلها قصة نجاح في تمكين المرأة الريفية وتحقيق التنمية المحلية.
لمزيد من المعلومات حول غابة الأركان، يمكن الرجوع إلى صفحة الأركان على ويكيبيديا.
الخدمات البيئية غير المرئية: الماء والتربة
لا يقتصر دور الغابات على ما تنتجه من سلع، بل تمتد خدماتها إلى دعم الزراعة من خلال الحفاظ على خصوبة التربة، والحد من الانجراف، وحماية الملقحات، وتنظيم دورة المياه. هذه الوظائف تساهم في التخفيف من آثار الجفاف والفيضانات، وبالتالي استقرار الإنتاج الزراعي. وفي المغرب، حيث يمس انجراف التربة مساحات واسعة، تعمل الوكالة الوطنية للمياه والغابات (ANEF) على برامج لتهيئة الأحواض المائية بالتنسيق مع قطاعي الزراعة والمياه.
وفي سياق متصل، شهد المغرب بعد سبع سنوات من الجفاف عودة التساقطات المطرية الغزيرة خلال شتاء 2025-2026، مما أدى إلى استعادة الغطاء النباتي في عدة مناطق، وارتفاع الموارد المائية إلى 11.8 مليار متر مكعب بحلول 20 فبراير، بزيادة تقارب 155% عن العام السابق.
استراتيجية “غابات المغرب 2020-2030”: أهداف طموحة
تسعى الاستراتيجية الوطنية إلى إعادة تأهيل النظم البيئية المتدهورة، مع هدف إعادة تشجير 600 ألف هكتار بحلول 2030، ورفع وتيرة التشجير تدريجياً إلى 100 ألف هكتار سنوياً، وتحقيق نسبة نجاح تتجاوز 80%. كما تتضمن آلية لتعويض مستخدمي المجالات الرعوية عن الحرمان المؤقت من الرعي، حيث سترتفع قيمة التعويض من 250 إلى 1000 درهم للهكتار سنوياً بالنسبة للأنواع الغابوية، ومن 350 إلى 1100 درهم بالنسبة للأركان.
ورغم هذه الجهود، يوصي تقرير FAO بضرورة تعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، وتحسين التنسيق المؤسسي، ومعالجة مشكلات انجراف التربة وإدارة المياه. كما يدعو إلى تطوير جمع البيانات حول المنتجات الغابوية والزراعية-الغابوية، ووضع نظم للمتابعة والتقييم، وتنويع مصادر التمويل عبر إشراك القطاع الخاص والشراكات الدولية.
تحديات مستمرة: ضغط حطب الوقود
يبرز التقرير تحدياً كبيراً يتمثل في الضغط المتزايد على الغابات كمصدر للطاقة. إذ يُقدر الاستهلاك السنوي من حطب الوقود بـ11.3 مليون طن، منها 89% في المناطق القروية. في حين لا تتجاوز القدرة الإنتاجية المستدامة للغابات 3.25 مليون طن، مما يخلق فجوة كبيرة تهدد استدامة هذه الثروة.
وفي الختام، تظل الغابات المغربية ركيزة أساسية للصمود الزراعي والغذائي في مواجهة التغيرات المناخية. وللاطلاع على مزيد من التحليلات الاقتصادية والبيئية، يمكن زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك