عاجل

حرية اختيار وسائل منع الحمل في المغرب: من تنظيم الأسرة إلى تمكين القرار الإنجابي

حرية اختيار وسائل منع الحمل في المغرب: من تنظيم الأسرة إلى تمكين القرار الإنجابي

حرية اختيار وسائل منع الحمل في المغرب: تحول جذري في المقاربة

لم يعد النقاش حول حرية اختيار وسائل منع الحمل في المغرب مقتصراً على توفير الوسائل أو توسيع التغطية الصحية، بل أصبح يتعلق بجوهر الحق الإنجابي: قدرة الأفراد على اتخاذ قرارات حرة ومستنيرة. فمع انخفاض مؤشر الخصوبة إلى 1.97 طفل لكل امرأة، يبرز تحدٍّ جديد يتمثل في ضمان جودة المشورة، ومكافحة المعلومات المضللة، وتمكين الفئات المهمشة من ممارسة خياراتها دون ضغوط.

في هذا السياق، احتضنت الرباط يوم 29 سبتمبر 2026 فعاليات اليوم العالمي لوسائل منع الحمل تحت شعار «خيار وحق للجميع: حرية التخطيط، القدرة على الاختيار»، بمشاركة الجمعية المغربية لتنظيم الأسرة، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، وشركة باير، إلى جانب وزارة الصحة والحماية الاجتماعية. وقد شكل اللقاء منصة لإطلاق مبادرة «Empowering Choices» التي تمتد على 24 شهراً في جهتي الرباط-سلا-القنيطرة وبني ملال-خنيفرة.

ما وراء الأرقام: لماذا لا يعني انخفاض الخصوبة نهاية الحاجة إلى تنظيم الأسرة؟

قد يتبادر إلى الذهن أن تراجع معدل الخصوبة دون مستوى التعويض (2.1 طفل لكل امرأة) يجعل قضايا تنظيم الأسرة أقل إلحاحاً. لكن الخبراء يجمعون على أن العكس هو الصحيح. فانخفاض الخصوبة لا يعني أن جميع النساء يحققن رغباتهن الإنجابية؛ بل يكشف عن فجوة بين ما يرغبن فيه وما يتحقق فعلاً. وتشير تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن 11% من النساء المتزوجات في المغرب لديهن حاجة غير ملباة لوسائل منع الحمل، مع تركيز أكبر في المناطق القروية النائية، وأوساط الشباب، والمهاجرين.

هذه الفجوة لا تعكس فقط نقص الوسائل، بل تعكس أيضاً ضعف الوصول إلى المعلومة الموثوقة، والخوف من الآثار الجانبية، والضغوط الاجتماعية والfamilية. لذلك، لم يعد الهدف مجرد «توفير وسيلة»، بل «تمكين الاختيار الحر والمستنير».

المشورة الجيدة: حجر الزاوية في حرية اختيار وسائل منع الحمل في المغرب

أكد المتدخلون أن جودة المشورة تعد عاملاً حاسماً في تحويل «الوصول» إلى «اختيار حقيقي». فالمشورة المهنية تتضمن تقديم معلومات دقيقة ومتوازنة حول مختلف الوسائل، ومناقشة الفوائد والآثار الجانبية المحتملة، واحترام قيم وخصوصية كل فرد. وفي هذا الإطار، شددت خديجة الغالمي، رئيسة الجمعية المغربية لتنظيم الأسرة، على أن «الاختيار المستنير يفترض معلومات ذات جودة»، مضيفة: «لا يمكن أن توجد حرية اختيار حقيقية دون الوصول إلى معلومة موثوقة ومفهومة ومبنية على أسس علمية».

وتواجه المشورة تحديات جديدة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر معلومات مغلوطة حول وسائل منع الحمل بسرعة كبيرة. لذا، تعمل الجمعية على تطوير أدوات توعوية رقمية وتكوين مقدمي الرعاية الصحية على مهارات التواصل الفعال.

الفئات المستهدفة: الشباب والرجال في صلب المقاربة الجديدة

تولي مبادرة «Empowering Choices» أهمية خاصة للشباب، ليس فقط كمتلقين للخدمات، بل كشركاء في تصميم السياسات والبرامج التي تخصهم. ويشمل ذلك إشراكهم في حملات التوعية وتدريبهم كوسطاء peers في مجتمعاتهم.

كما يبرز محور جديد يتمثل في إشراك الرجال، من خلال «دروس للأزواج» (Classes pour époux) تهدف إلى توعية وتكوين الرجال والآباء حول الصحة الإنجابية. وتعتبر هذه الخطوة أساسية لأن قرارات منع الحمل غالباً ما تتأثر بمواقف الشريك، خاصة في المجتمعات الذكورية.

ثلاث ركائز لتحقيق حرية اختيار وسائل منع الحمل في المغرب

ترتكز المبادرة على ثلاثة محاور استراتيجية:

  • تقريب الخدمات من السكان: عبر العيادات المتنقلة وتوسيع نطاق الخدمات في المناطق النائية، مع إشراك الرجال كوسطاء.
  • رقمنة النظام الصحي: تطوير تطبيقين لوزارة الصحة: الأول لمتابعة المسار العلاجي الشخصي، والثاني لإدارة مخزون وسائل منع الحمل، مما يضمن توفرها بشكل دائم.
  • تعزيز قدرات المهنيين: تدريب الأطباء والممرضين وتجهيز ثمانية مراكز مرجعية بمعدات متخصصة، مع إدماج أكبر للعاملين المجتمعيين.

هذه الركائز تعكس فهماً شاملاً بأن الوصول إلى وسائل منع الحمل لا يقتصر على توفر المنتج، بل يشمل وجود مهني مدرب، ومعلومة واضحة، ومرافقة مناسبة، وحرية الاختيار دون إكراه.

أبعاد أوسع: الصحة الإنجابية كقاطرة للتنمية

بالنسبة لأنس زياتي، مدير قسم الأدوية في باير المغرب، فإن قضية منع الحمل تتجاوز المجال الطبي لتلامس التنمية المستدامة. ويقول: «كل امرأة وفتاة تستحق فرصة تقرير مستقبلها». وتلتزم باير بتمكين 100 مليون امرأة في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط من الوصول إلى وسائل منع الحمل الحديثة بحلول 2030.

ويضيف زياتي: «الوصول إلى وسائل منع الحمل لا يتعلق فقط بالصحة، بل أيضاً بحرية الاختيار وتكافؤ الفرص والتنمية المستدامة». فقدرة المرأة على تخطيط حملها وتباعده وفق اختياراتها تؤثر على مسارها التعليمي ومشاركتها الاقتصادية وصحتها العامة.

للمزيد حول أهداف التنمية المستدامة، يمكن الرجوع إلى الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة.

خلاصة: نحو سياسات إنجابية أكثر إنصافاً

في المغرب، لم يعد التحدي مجرد عدد الأشخاص الذين يستخدمون وسائل منع الحمل، بل أصبح يتعلق بقدرتهم على فهم الخيارات المتاحة، ومعرفة فوائدها وآثارها الجانبية، والحصول على مشورة مهنية، واتخاذ قرار حر. وهذا التحول من «التحكم في النسل» إلى «التحكم في الخيارات الإنجابية» يعكس نضجاً في مقاربة الصحة الإنجابية.

ولضمان نجاح هذه المقاربة، يبقى التعاون بين القطاعات الحكومية والمجتمع المدني والقطاع الخاص ضرورياً. كما يجب الاستمرار في رصد الفجوات وتكييف البرامج مع الاحتياجات المتغيرة. فحرية اختيار وسائل منع الحمل في المغرب ليست هدفاً نهائياً، بل مسار مستمر نحو تمكين كل فرد من رسم مستقبله الإنجابي بكرامة.

لمتابعة آخر المستجدات حول الصحة الإنجابية في المغرب، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.