تشكيل الأغلبية الحكومية في المغرب 2026: بين الحسابات العددية والتوافقات السياسية
بعد انتهاء الجولة الأولى من المشاورات الحكومية، يجد المشهد السياسي المغربي نفسه أمام مفترق طرق حاسم، حيث يتعين على حزب الأصالة والمعاصرة، الفائز بالانتخابات التشريعية الأخيرة، أن يقود مفاوضات شاقة لتشكيل الأغلبية الحكومية التي ستدير شؤون البلاد للفترة 2026-2031. وتتسم هذه المرحلة بتعقيدات غير مسبوقة، إذ تتشابك الحسابات العددية مع التوافقات الإيديولوجية والطموحات الحزبية، مما يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة.
خلفية المشاورات: من التقارب إلى التباعد
انطلقت المفاوضات بتفاؤل حذر، حيث عقد حزب الأصالة والمعاصرة لقاءات مع سبعة أحزاب ممثلة في البرلمان، باستثناء حزبي العدالة والتنمية وتحالف اليسار اللذين أعلنا منذ البداية موقعتهما في المعارضة. وتؤكد المصادر أن الأحزاب الأخرى، خاصة تلك التي كانت خارج الحكومة السابقة، تبدي شهية مفتوحة للمشاركة في الائتلاف الحكومي، مما يزيد من تعقيد المشهد ويثير تساؤلات حول الشكل النهائي للأغلبية.
السيناريو الأول: إعادة إنتاج التحالف الثلاثي
يبرز هذا السيناريو كأحد أكثر الخيارات استقراراً، حيث يعيد تشكيل التحالف الثلاثي الذي جمع سابقاً بين حزب الأصالة والمعاصرة، التجمع الوطني للأحرار، وحزب الاستقلال. هذا التحالف قادر على تأمين 228 مقعداً في مجلس النواب، أي بفارق 30 مقعداً عن النصاب القانوني (198 مقعداً). ويمنح هذا الهامش الكبير الأغلبية قدرة على تمرير التشريعات دون الحاجة إلى دعم إضافي، لكنه قد يدفع بقية الأحزاب إلى معارضة قوية، خاصة مع وجود 54 نائباً عن العدالة والتنمية و8 عن تحالف اليسار.
السيناريو الثاني: ائتلاف رباعي بقيادة “البام” و”الأحرار”
يقوم هذا الطرح على ضم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الحركة الشعبية إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة. هذا التكتل الرباعي يؤمن 218 مقعداً، أي بفارق 20 مقعداً عن الحد الأدنى. ويرى المحللون أن هذا الخيار يحقق توازناً بين الأحزاب الإدارية والأحزاب ذات القاعدة الشعبية، مما قد يسهل إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية الحساسة، عبر الجمع بين التوجهات الليبرالية والاجتماعية.
السيناريو الثالث: حكومة بدون “الأحرار”
في هذا السيناريو، يتم استبعاد حزب التجمع الوطني للأحرار من الائتلاف الحكومي، ليحل محله حزب الاستقلال إلى جانب الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة. هذا التحالف يضمن 217 مقعداً، بفارق 19 مقعداً عن العتبة. ورغم أن هذا الخيار قد يعزز التوافق حول سياسات عمومية معينة، إلا أنه يقصي حزباً كان حاضراً في جميع الحكومات منذ تأسيسه، مما قد يخلق توترات سياسية.
السيناريو الرابع: “الاستقلال خارج اللعبة”
يقوم هذا الطرح على تحالف رباعي يضم الاتحاد الدستوري، الحركة الشعبية، التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، بمجموع 209 مقاعد، أي بفارق 11 مقعداً فقط عن النصاب. ورغم أن هذا السيناريو يجمع القوى الليبرالية والوسطية، إلا أنه يدفع بحزب الاستقلال (65 مقعداً) إلى المعارضة، مما قد يشكل تحدياً كبيراً للأغلبية نظراً لوزن الحزب السياسي.
السيناريو الخامس: تقاطعات وحسابات دقيقة
يعتمد هذا الخيار على تحالف يضم الاستقلال، الحركة الشعبية، الاتحاد الدستوري، والأصالة والمعاصرة، محققاً 208 مقاعد، بفارق 10 مقاعد عن العتبة. ويستند هذا التحالف إلى التقاطعات التاريخية بين مكوناته، مثل الرصيد المحافظ لحزب الاستقلال، والمرجعية الليبرالية للاتحاد الدستوري، والامتداد القروي للحركة الشعبية، والتوجهات الحداثية للأصالة والمعاصرة. هذا المزيج قد يساعد في صياغة برنامج حكومي متوازن، لكنه يظل هشاً عددياً.
السيناريو السادس: أغلبية بهامش محدود
يطرح هذا السيناريو ائتلافاً يضم التقدم والاشتراكية، الأصالة والمعاصرة، الاتحاد الاشتراكي، والتجمع الوطني للأحرار، بإجمالي 208 مقاعد. ويمنح هذا التكتل بعداً أيديولوجياً خاصاً، حيث يمزج التوجهات الليبرالية برؤية اجتماعية وحقوقية متقدمة. لكنه في المقابل يفتح الباب أمام معارضة قوية تضم الحركة الشعبية، العدالة والتنمية، والاستقلال.
العوامل الحاسمة في تشكيل الحكومة المقبلة
يظل تشكيل الحكومة رهيناً بعدة عوامل، أبرزها:
- نتائج المجالس الوطنية للأحزاب: التي ستنعقد هذا الأسبوع وتحدد مواقفها النهائية.
- الجولة الثانية من المفاوضات: التي ستحتضنها الرباط، وستكشف عن مدى مرونة الأطراف.
- برنامج حزب الأصالة والمعاصرة: الذي يتضمن وعوداً انتخابية يسعى لترجمتها إلى إجراءات عملية.
- المعطى العددي: الذي سيلعب دوراً محورياً، خاصة أن الحكومة السابقة كانت مكونة من ثلاثة أحزاب تمثل 270 مقعداً، مما يثير مخاوف من “بلقنة” الحكومة الجديدة.
وفي هذا السياق، يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن الأحزاب من تجاوز خلافاتها لتشكيل حكومة قوية ومنسجمة؟ أم أن المشهد سيتجه نحو مزيد من التعقيد والصراعات؟ للمزيد من التحليلات السياسية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
تحديات ما بعد التشكيل
بمجرد الإعلان عن الأغلبية الحكومية، ستواجه الحكومة الجديدة تحديات كبيرة، منها:
- تحقيق الانسجام الداخلي: بين أحزاب قد تختلف رؤاها حول قضايا حساسة.
- مواجهة معارضة قوية: قد تشكل أحزاب مثل العدالة والتنمية والاستقلال كتلة معارضة صلبة.
- الوفاء بالوعود الانتخابية: خاصة في مجالات التعليم والصحة والتشغيل.
- إدارة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية: التي قد تتفاقم بسبب الظروف العالمية.
وفي هذا الإطار، يبرز دور مجلس النواب المغربي في مساءلة الحكومة وضمان تنفيذ برنامجها.
خلاصة: نحو أغلبية مريحة أم حكومة هشة؟
تشير كل المعطيات إلى أن تشكيل الأغلبية الحكومية في المغرب 2026 لن يكون مهمة سهلة، نظراً لتعدد السيناريوهات وتشابك المصالح. وبينما يفضل البعض أغلبية مريحة عددياً تضمن الاستقرار، يرى آخرون أن التنوع السياسي قد يكون ضرورياً لمواجهة التحديات المقبلة. وفي جميع الأحوال، فإن الأيام القادمة ستكشف عن ملامح الحكومة التي ستدير شؤون المغاربة للسنوات الخمس المقبلة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك