عاجل

هندسة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية: من الدستور إلى المؤسسات

هندسة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية: من الدستور إلى المؤسسات

هندسة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية: من الدستور إلى المؤسسات

في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها قضية الصحراء المغربية، برزت دراسة بحثية حديثة صادرة عن المركز المغربي للدراسات الإفريقية والتنمية المستدامة، من إعداد الأستاذ محمد رضا نور، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق والعلوم السياسية بفاس، لتسلط الضوء على التحول الجوهري في مقاربة النزاع. وأكدت الدراسة أن النقاش لم يعد مقتصراً على الجانب الدبلوماسي، بل انتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بـ هندسة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية، والتي تتطلب بناءً مؤسساتياً وقانونياً دقيقاً يضمن التوازن بين صلاحيات الجهة ووحدة السيادة الوطنية.

ويأتي هذا الطرح في أعقاب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، والذي دعا إلى مفاوضات تستند إلى المبادرة المغربية للحكم الذاتي كأساس للحل النهائي. هذا القرار أعاد صياغة السؤال المركزي: لم يعد الأمر يتعلق بما إذا كان الحكم الذاتي يشكل أساس التسوية، بل بأي نموذج مؤسساتي يمكن أن يكون قابلاً للتطبيق والاستمرارية.

من المبادئ العامة إلى الهندسة المؤسساتية: تحدي الانتقال

تشير الدراسة إلى أن التحدي الأساسي يكمن في تحويل المبادئ العامة إلى نظام مؤسساتي متماسك. فالمبادرة المغربية المقدمة إلى الأمم المتحدة في أبريل 2007 اقترحت مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية للجهة، مع اختصاصات واسعة تشمل الإدارة المحلية، الشرطة المحلية، التنمية الاقتصادية، الميزانية، الجباية، البنيات التحتية، التعليم، الصحة، التشغيل، الثقافة، والبيئة. لكن السؤال المطروح الآن هو كيفية ترجمة هذه الاختصاصات إلى واقع عملي دون المساس بوحدة الدولة.

وتؤكد الورقة البحثية أن تعميق الحكم الذاتي يجب أن يُنظر إليه كمشروع للهندسة الدستورية، وليس مجرد توسيع إداري. وهذا يتطلب تحديداً دقيقاً لتوزيع الاختصاصات بين الجهة والدولة المركزية، مع ضمانات دستورية وقانونية تحمي هذا التوزيع. وتشدد على أن قوة البناء تتوقف على دقة نظام الحكم الذاتي، وعلى الحماية الدستورية لتوزيع الاختصاصات، وعلى وجود مساطر قادرة على تحويل الخلاف السياسي إلى نزاع مؤسساتي قابل للحل.

الاختصاصات والموارد: ضمانات الفعالية والاستمرارية

لكي تكون سلطات الجهة حقيقية، تحتاج إلى موارد مالية مستقرة وآليات تمويل واضحة وحقوق محددة في بعض الإيرادات. وتشير الدراسة إلى أن هذا لا يعني إنشاء منظومة مالية أو اقتصادية منفصلة عن المملكة، بل يتعلق بتمكين الجهة من ممارسة مسؤولياتها بشكل فعلي. وتضيف أن الخروج من النزاع يتطلب تفكيك البنيات المسلحة، نزع السلاح والتسريح، وفتح مسارات فردية لإعادة الإدماج والمشاركة السياسية.

وفي هذا السياق، تلعب المصالحة دوراً محدوداً زمنياً في معالجة الآثار الإنسانية والاجتماعية والممتلكاتية للنزاع، بينما تتحول المشاركة السياسية تدريجياً إلى مشاركة مدنية وترابية أساسها الجنسية المغربية والاندماج الفعلي في الجماعة السياسية للجهة. وتؤكد الدراسة على أن إقرار نظام الحكم الذاتي وفق الكيفيات التي تتضمنها المبادرة والتسوية النهائية يمثل مرحلة من مراحل دخوله حيز النفاذ، مع تحديد الجدول الانتقالي وحل المؤسسات المؤقتة وانتهاء أي بعثات دولية منذ البداية.

السيادة والحكم الذاتي: علاقة تكامل لا تناقض

تخلص الورقة البحثية إلى أن المسألة ليست في تقليص السيادة لكي يتسع الحكم الذاتي، ولا في تقليص الحكم الذاتي لكي تصان السيادة، بل في بناء علاقة قانونية دقيقة تجعل الاختصاصات الجهوية واسعة ومحمية في نطاقها، والاختصاصات السيادية واضحة ومحصورة في نطاقها. وعلى هذه القاعدة، يصبح تعميق الحكم الذاتي ممارسة ترابية واسعة للسلطة داخل سيادة واحدة، لا تقاس متانتها بما تعد به لحظة التفاوض فحسب، بل بقدرتها على العمل والاستمرار عندما تتباين المصالح وتتغير الحكومات وتتعرض المؤسسات للاختبار.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الطرح يتقاطع مع النقاشات الدولية حول الحكم الذاتي كنموذج لتسوية النزاعات، حيث يُعتبر نموذجاً واقعياً ومحصناً ومستداماً. كما ينسجم مع التوجهات الأممية التي تدعم الحلول السياسية التوافقية.

وفي الختام، يبقى الرهان الحقيقي هو قدرة هذا النموذج على الصمود أمام التحديات المتغيرة، وهو ما يجعل من دراسة هندسة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية خطوة أساسية نحو المستقبل. ولمزيد من التحليلات السياسية، يمكن متابعة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.