مستقبل المينورسو والحكم الذاتي: تحول استراتيجي في موازين القوى
يشهد ملف الصحراء المغربية تطورات دبلوماسية متسارعة، تتقاطع فيها المواقف الدولية نحو تبني مستقبل المينورسو والحكم الذاتي كإطار جديد للتسوية. فقد أثار الدعم الفرنسي للمشروع الأمريكي بشأن إعادة صياغة ولاية بعثة المينورسو اهتماماً واسعاً في الأوساط الإعلامية والسياسية، خاصة في الجزائر التي تتابع هذه التحولات بحساسية بالغة. وتأتي هذه التطورات في وقت يستعد فيه مجلس الأمن الدولي للتصويت على مشروع قرار أمريكي ينص على أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد الممكن للنزاع الإقليمي.
الموقف الفرنسي: من الحياد إلى الدعم الصريح
أكد سعيد بوشاكوك، الباحث في قضايا التنمية والمجال، أن الموقف الفرنسي الداعم لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ينسجم مع الالتزامات التي أعلنتها باريس في سياق تعزيز شراكتها الاستراتيجية مع الرباط. وأشار في تصريح لـالجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب إلى أن هذا التوجه يرتبط بالتحول الذي شهدته العلاقات المغربية الفرنسية عقب زيارة الدولة التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المغرب، والتي أكد خلالها اعتراف فرنسا بسيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية.
ويرى بوشاكوك أن أهمية الموقف الفرنسي تتجاوز أبعاده الثنائية، بالنظر إلى تزامنه مع التحركات الأمريكية داخل مجلس الأمن لإعادة صياغة ولاية بعثة المينورسو، وما تحمله المسودة المطروحة من تأكيد على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الحل الوحيد الممكن للنزاع. وهذا التقاطع بين واشنطن وباريس يضع الدبلوماسية الجزائرية أمام معطيات جديدة، في ظل تزايد الاهتمام الدولي بالمبادرة المغربية.
قراءة في مسودة القرار الأمريكي: تغيير جذري في ولاية المينورسو
من جانبه، سجل الشيخ بوسعيد، الباحث في القانون العام والمهتم بنزاع الصحراء المغربية، أن مسودة مشروع القرار الأمريكي الجديد تحمل مؤشرات على تحول في مقاربة مجلس الأمن للملف؛ من خلال مراجعة ولاية بعثة المينورسو وربط مهامها بمستقبل العملية السياسية. وأوضح بوسعيد أن المسودة تتضمن توجهات أساسية، من بينها:
- حذف الإشارات إلى الاستفتاء من ولاية البعثة.
- التحول من مهمة لحفظ السلام إلى بعثة سياسية خاصة.
- تكريس الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية باعتباره أساساً وحيداً للمفاوضات.
وهذه المقتضيات تعكس توجهاً نحو إعادة تحديد وظيفة المينورسو، بما يجعلها أكثر ارتباطاً بمسار التسوية السياسية، بدلاً من الاقتصار على مهامها التقليدية في مراقبة وقف إطلاق النار. ويشير بوسعيد إلى أن هذا التوجه ينسجم مع الموقف الفرنسي الداعم للمقاربة المغربية، والذي عبر عنه الرئيس ماكرون في يوليوز 2024 وجدد تأكيده خلال زيارته إلى المغرب في نونبر 2024.
مواقف القوى الكبرى وتأثيرها على التصويت
وفيما يتعلق بمواقف الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، يلفت بوسعيد إلى أن مواقف الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا تتقاطع مع التوجه نحو اعتماد صيغة جديدة للتعامل مع النزاع. أما موقفا روسيا والصين فيظل موضع متابعة، بالنظر إلى امتناعهما عن التصويت على القرار رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025. ويؤكد أن موقف موسكو وبكين من الصيغة الجديدة سيؤثر في حسابات التصويت، دون أن يعني امتناعهما السابق بالضرورة تكرار الموقف نفسه أو حسم موقفهما من المسودة الحالية.
كما يشير بوسعيد إلى أن تهديد جبهة البوليساريو بالانسحاب من العملية السياسية، في حال اعتماد المشروع الأمريكي بصيغته الحالية، يمكن قراءته باعتباره ورقة ضغط تفاوضية تستهدف التأثير في مواقف أعضاء مجلس الأمن. فالانسحاب الفعلي من المسار الأممي قد يحد من قدرة الجبهة على التأثير في المفاوضات، بينما يتيح لها الاستمرار فيه السعي إلى انتزاع ضمانات بشأن المرحلة المقبلة.
التوجس الجزائري وانعكاسات التحولات الدبلوماسية
يعكس الاهتمام الإعلامي الجزائري بهذا الموضوع حجم الحساسية التي يثيرها تطور المواقف الدولية بشأن الصحراء المغربية داخل الأوساط السياسية والإعلامية الجزائرية. فقد نقلت صحيفة “الشروق” عن السفير الجزائري السابق عمار بلاني أن فرنسا “تقف بقوة خلف المشروع الأمريكي”، منتقدة الموقف الفرنسي ومعتبرة أنه يزيد من تعقيد العلاقات بين باريس والجزائر. ويأتي هذا الاهتمام بالتزامن مع استعداد مجلس الأمن للتصويت على مشروع القرار الأمريكي.
ويؤكد بوشاكوك أن تركيز الصحافة الجزائرية على الدعم الفرنسي للمشروع الأمريكي يكشف عن اتساع الخلاف حول تداعيات التحولات الدبلوماسية الجارية، خاصة أن الولايات المتحدة، بصفتها حاملة القلم في ملف الصحراء داخل مجلس الأمن، تضطلع بدور محوري في إعداد مشروع القرار. ويشدد على أن التحولات التي يشهدها النظام الدولي تفرض إعادة تقييم المقاربات التقليدية في تدبير النزاعات الإقليمية، موضحاً أن استمرار الرهان على مواقف لم تعد تحظى بالتأثير نفسه في موازين القوى لن يسهم في إيجاد تسوية نهائية.
فرص التسوية والتعاون المغاربي
وفي هذا السياق، يرى بوشاكوك أن المرحلة الراهنة تتيح فرصة أمام الجزائر للانتقال من منطق الاعتراض على المبادرات الدولية إلى الإسهام بصورة إيجابية في جهود التسوية، بما يخدم الاستقرار الإقليمي ويعزز فرص التعاون المغاربي. ويعتبر أن استمرار التوتر بين الرباط والجزائر يبدد إمكانات التنمية والتكامل في شمال إفريقيا، في وقت تفرض فيه التحديات الأمنية والاقتصادية على دول المنطقة البحث عن أرضية مشتركة لتجاوز الخلافات.
ويخلص بوسعيد إلى أن التطورات الحالية تضع قضية الصحراء المغربية أمام مرحلة مفصلية، في ظل النقاش بشأن مستقبل المينورسو والمرجعية التي ستؤطر العملية السياسية خلال المرحلة المقبلة. ويؤكد أن تثبيت الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ضمن المسار الأممي من شأنه تعزيز مكانة المبادرة المغربية في جهود التسوية، داعياً الأطراف المعنية إلى الانخراط في حل سياسي واقعي ودائم يفتح المجال أمام استقرار المنطقة المغاربية. للمزيد حول تطورات ملف الصحراء المغربية، يمكن الرجوع إلى ويكيبيديا.
التعليقات (0)
اترك تعليقك