في خضم التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها عالمنا اليوم، تواجه اللغة العربية والكتابة بها جملة من المعضلات الوجودية التي تتطلب وقفة تأمل واستشراف للمستقبل. إن تحديات الكتابة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على الجانب التقني فحسب، بل تمتد لتشمل الهوية اللغوية، وسلوك القارئ المتغير، وحرية التعبير. فكيف يمكن للمشهد الثقافي العربي أن يتكيف مع هذه المعطيات الجديدة ويصونها من الاندثار؟
هيمنة الإنجليزية: استعمار اختياري للغة
لقد دقت الكاتبة الإماراتية نجوم الغانم ناقوس الخطر، مشيرة إلى ظاهرة “قطبية لغوية” تتجه نحو الإنجليزية في العالم العربي والعالم أجمع. وصفت الغانم هذا التحول بـ”استعمار آخر”، لكنه يختلف بكونه “اختياريًا”، يسجن الأفراد في لغة واحدة وتعبير وحيد عن الذات، مما يعيق الانفتاح الحقيقي على الثقافات الأخرى. هذا التوجه لا يهدد فحسب مكانة العربية، بل يحد من قدرة الأجيال الجديدة على التعبير عن هويتهم الفكرية والإبداعية بلغتهم الأم.
من جهتها، أكدت الكاتبة اللبنانية جمانة حداد أن تفوق الإنجليزية ليس نابعًا من تفوق إبداعي متأصل، بل هو نتيجة “انهمار المواد الإنجليزية” في الأفلام والأغاني والمحتوى الرقمي. هذا الواقع يضع على عاتق الكتاب والمثقفين العرب مهمة جسيمة تتمثل في إعادة الاعتبار للغة العربية وتقديم محتوى جذاب ومتنوع يضاهي زخم المحتوى الأجنبي. وتتطلب هذه المواجهة إبداعًا يتجاوز التقليد، وابتكارًا يستفيد من المنصات الرقمية لتقديم العربية بثوب جديد وحيوي.
الذكاء الاصطناعي: شريك أم منافس للكتاب؟
يعد سؤال الذكاء الاصطناعي وتأثيره على عملية الكتابة من أبرز تحديات الكتابة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي. هل يمكن للآلة أن تحل محل الكاتب البشري؟ وهل تستطيع إنتاج أدب حقيقي يحمل روحًا وإبداعًا؟ تشير جمانة حداد إلى أن هذا التحدي يفرض على الكاتب إعادة تعريف دوره. فالذكاء الاصطناعي قد يكون أداة مساعدة في البحث، أو في صياغة الأفكار الأولية، لكنه يفتقر إلى التجربة الإنسانية العميقة، والعواطف المتأصلة، والفروق الدقيقة التي تميز الأدب الأصيل. لذا، فإن التحدي يكمن في استغلال هذه التقنية لخدمة الإبداع البشري، لا ليحل محله.
القارئ الرقمي: تشتت وصبر محدود
لم يعد القارئ المعاصر هو نفسه الذي كان يعتاد الجلوس لساعات طويلة مع كتاب ورقي. فقد أشارت نجوم الغانم إلى أن “القارئ الجديد متشتت وقليل الصبر، وينحاز إلى اقتصاد الصورة أكثر من الكلمة”. هذه الحقيقة تفرض على الكاتب العربي إعادة التفكير في طرق تقديم المحتوى. فهل يجب أن نتنازل عن العمق لصالح السرعة؟ وهل نتحول إلى كتابة مقتضبة تتناسب مع طبيعة المنصات الرقمية؟
يطرح هذا التساؤل معضلة حقيقية بين الحفاظ على جوهر الأدب وبين ضرورة الوصول إلى جمهور أوسع. بينما يرى البعض، مثل جمانة حداد، أن الكاتب لا يجب أن يستسلم لرغبات الجمهور السهلة، بل عليه أن يلتزم بمبادئه وقيمه الإبداعية، فإن آخرين، مثل نجوم الغانم، يدعون إلى التعامل بـ”ذكاء فطري”، وإيجاد استراتيجيات جديدة دون التخلي عن المشروع الإبداعي الأصيل. هذا يعني البحث عن صيغ مبتكرة تجمع بين العمق والجاذبية البصرية، أو ربما تقديم محتوى متعدد الوسائط يثري التجربة القرائية.
تحديات اللغة العربية وحرية التعبير
من القضايا الجوهرية التي تواجه الكتابة العربية هي “تحدي اللغة العربية” ذاتها، فليس هناك “حب وغرام بين الجيل الشاب واللغة العربية”، كما ذكرت جمانة حداد. هذا يتطلب منا التساؤل عن كيفية إيقاعهم في حبها من جديد، وذلك بتقديمها بلغة حية، مصطلحات عصرية، ومضامين تتصل بواقعهم. لا ينبغي أن تكون اللغة العربية “متحجرة ومحنطة” في عصر الثورة الرقمية.
بالإضافة إلى ذلك، تظل حرية التعبير والمواجهة الجريئة “للسردية الرسمية” تحديًا قائمًا منذ الأزل في العالم العربي. إن غياب هذه الحرية يحد من قدرة الكاتب على تناول قضايا مجتمعه بصدق وعمق، ويجعله حبيس الموضوعات الآمنة، مما يؤثر سلبًا على جودة وابتكارية المحتوى العربي.
نحو مستقبل مستدام للكتابة العربية
إن مواجهة هذه التحديات ليست بالمهمة السهلة، ولكنها ليست مستحيلة. يتطلب الأمر إستراتيجية متكاملة تجمع بين صون الهوية اللغوية، والاستفادة من التقنيات الحديثة، وتفهم سلوك القارئ الجديد، وتعزيز مساحات الحرية. على الكتاب العرب أن يكونوا “دونكيشوتات” حالمين يقاتلون طواحين الهواء، كما وصفتهم جمانة حداد، ولكن بوعي استراتيجي يقود إلى البقاء والاستمرارية.
علينا أن نبتكر طرقًا جديدة لغرس حب اللغة العربية في نفوس الأجيال الصاعدة، من خلال محتوى رقمي جذاب، ومبادرات تعليمية حديثة، وتطبيقات تفاعلية. كما يجب أن نسعى لإنتاج أدب عربي معاصر يعكس قضايا العصر، ويتميز بالجرأة والابتكار، مع الحفاظ على عمق الفكرة وجمالية التعبير. إن مستقبل الكتابة العربية يعتمد على قدرتنا على التكيف والابتكار دون التخلي عن جوهرها وقيمها. تابعوا آخر المستجدات والتحليلات عبر الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك