ناقش خبراء وأكاديميون في مجال الصحة، مساء السبت في مدينة طنجة، مستقبل المنظومة الصحية العمومية ضمن ندوة فكرية نظمها المرصد المغربي للحماية الاجتماعية بشراكة مع مؤسسة فريدريش إيبرت. وركزت الندوة على تقييم تجربة المجموعات الصحية الترابية واستشراف آفاقها، وسط تحذيرات من توجهات قد تهدد الطابع العمومي للخدمات الصحية.
أكد عزيز غالي، منسق حركة صحة الشعوب وعضو الائتلاف المغربي من أجل الحق في الصحة، أن تعميم تجربة المجموعات الصحية الترابية قد يكون تكراراً لتجارب سابقة لم تحقق النتائج المرجوة، مستشهداً بتجربة نظام “راميد” الذي تم التخلي عنه بعد تعميمه. وأشار إلى أن تجربة المجموعة الصحية الترابية في طنجة لا تزال في بدايتها، حيث لم يمض على تنزيلها سوى ستة أشهر، وهي مدة غير كافية للحكم على نجاحها في ظل غياب دراسات تقييمية.
وأضاف غالي أن التجربة تواجه تحديات عملية، منها عدم استكمال تعيين مديري المستشفيات الجامعية رغم الإعلان عن مباريات انتقاء مرتين. وتساءل عن أسباب عزوف الأطباء والأطر العليا عن تحمل المسؤولية، معتبراً أن ضبابية الرؤية الحالية تجعل مناصب المسؤولية غير جاذبة.
من جهته، اعتبر منذر سوهامي، الباحث في قضايا الصحة، أن الانتقال من القانون الإطار 34.09 إلى القانون 06.22 يثير تساؤلات حول مسار الإصلاحات. وأوضح أن النص السابق ظل لسنوات دون تفعيل فعلي قبل استبداله بإطار قانوني جديد، في سياق تراكم اختلالات بنيوية وغياب استثمار كافٍ.
وانتقد سوهامي التوجه المتزايد نحو تفويض خدمات مثل الحراسة والنظافة ومساعدة المرضى لشركات المناولة، وصولاً إلى بعض الخدمات العلاجية. وحذر من أن هذا المسار، إلى جانب ما يُسمى “التمويلات المبتكرة” التي قد تؤدي إلى تفويت بعض المؤسسات، يعكس توجهاً نحو إضعاف المرفق العمومي وتوسيع نفوذ القطاع الخاص، مما يهدد العدالة الصحية واستدامة الخدمات.
وسلط الدكتور عبد القادر طرفاي، ممثل الكونفدرالية العامة للشغل، الضوء على ضبابية معالم تجربة المجموعات الصحية من حيث الأهداف وآليات التنزيل والتقييم. وأشار إلى تنامي حضور فاعلين كبار في القطاع الصحي الخاص، وصفهم بـ”ديناصورات” القطاع، بسبب توسعهم السريع عبر الاستحواذ على مصحات ومؤسسات خصوصية.
وحذر طرفاي من تداعيات هذا التمركز على توازن المنظومة الصحية، ومن مخاطر توجه قد يؤدي إلى “امتصاص” موارد صناديق التغطية الصحية، مما يؤثر على استدامتها ويزيد الضغط على التمويل العمومي. كما انتقد اعتماد أساليب ترويجية مكثفة عبر التلفاز لتسويق خدمات صحية بمنطق تجاري صرف، معتبراً ذلك إشكالاً أخلاقياً ومهنياً.
من جانبه، انتقد علي لطفي، رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، التراجع عن البرامج الصحية الوقائية، وسجل ارتفاع نسبة النفقات المرتبطة بـ”Ticket modérateur” إلى 37 في المائة، واعتبر ذلك عبئاً إضافياً على المواطنين.
وعبر لطفي عن رفضه لتعيين أساتذة جامعيين على رأس إدارة المجموعات الترابية الصحية والمستشفيات، مؤكداً أن دور الأكاديمي الأساسي يبقى داخل الجامعة. كما اعتبر أن دمج المراكز الاستشفائية الجامعية مع المجموعات الترابية الصحية قد يؤثر سلباً على جودة التكوين والخدمات.
وكشف لطفي أن نحو 11 مليون مواطن لا يتوفرون على أي تغطية صحية، وهم يتجهون أساساً إلى المستشفيات العمومية، في حين أن حوالي 79 في المائة من المؤمنين يفضلون القطاع الخاص. وأوضح أن هذه النسب تعني أن المصحات الخاصة تستحوذ على ما يقارب 91 في المائة من موارد صناديق التغطية الصحية، مقابل 7 في المائة فقط للمستشفيات العمومية.
وشدد على أن الحديث عن تحفيز الأطر الصحية أو نظام الأجر المتغير يظل غير مجدٍ دون معالجة الإشكال الحقيقي المتمثل في ضمان استدامة التمويل وتغطية نفقات التسيير. وحذر من أن عددا من المجموعات الصحية قد يصل إلى مرحلة “الإفلاس غير المعلن” في حال استمرار الاختلالات الحالية.
ومن المتوقع أن تثير هذه التقييمات والنقاشات مزيداً من الجدل حول سياسات إصلاح القطاع الصحي، في وقت تعلن فيه وزارة الصحة عن خطط للمراجعة والتقييم. وتشير المعلومات إلى أن اللجنة الوطنية للصحة قد تدرس هذه الملاحظات ضمن تقريرها الدوري المقبل حول تنفيذ البرنامج الوطني للصحة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك