في ظل إعادة هيكلة سلاسل القيمة العالمية والتوجه المتزايد نحو التوطين القريب، برزت تساؤلات حول مدى نجاح المغرب في جذب الاستثمارات اللوجستية الاستراتيجية. هذا التساؤل طرحه الخبير الاقتصادي رشيد طاهري، مشيراً إلى أن المملكة تمتلك ميزة جغرافية فريدة، لكنها بحاجة إلى تحويلها إلى نظام بيئي لوجستي متكامل.
وأوضح طاهري أن المغرب يتمتع بموقع استراتيجي يجعله بوابة رئيسية بين أوروبا وإفريقيا، وهو ما يمنحه أفضلية في سباق الاستثمارات اللوجستية العالمية. غير أن هذه الميزة وحدها لا تكفي، بل يجب أن تترافق مع سياسات واضحة لتحسين البنية التحتية، وتطوير الموانئ، وربطها بشبكات النقل البري والسككي.
وأشار الخبير إلى أن المنافسة على الاستثمارات اللوجستية تشهد تنافساً شديداً بين دول المنطقة، مثل تونس ومصر وإسبانيا. لذلك، فإن المغرب مدعو لتسريع وتيرة الإصلاحات في قطاع الخدمات اللوجستية، وتعزيز الشفافية، وتقليل الإجراءات البيروقراطية التي تعيق المستثمرين.
كما لفت طاهري إلى أن التوجهات العالمية الجديدة، مثل الأتمتة والرقمنة، تفرض على المغرب ضرورة مواكبتها من خلال الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة، وتدريب الكوادر البشرية، وإنشاء مناطق لوجستية ذكية. وأكد أن التحول إلى مركز لوجستي إقليمي يتطلب أيضاً تكامل الخدمات الجمركية والمصرفية، وتوحيد المعايير مع الشركاء التجاريين الرئيسيين.
ونوه المتحدث إلى أن المغرب حقق تقدماً في جذب مشاريع لوجستية مثل مصنع “رينو” في طنجة، وميناء طنجة المتوسط الذي أصبح أحد أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط. لكنه شدد على أن الاستفادة من هذه الإنجازات تتطلب رؤية شاملة تدمج بين جميع الفاعلين في القطاعين العام والخاص.
وأضاف طاهري أن الحكومة المغربية أطلقت عدة مبادرات في السنوات الأخيرة، منها مخطط “المغرب الرقمي” وخطة التسريع الصناعي، لكنها ما زالت تحتاج إلى تنسيق أكبر بين الوزارات والهيئات المعنية. وأوصى بإنشاء هيئة وطنية للتخطيط اللوجستي تكون مكلفة برسم استراتيجية طويلة الأمد، ومتابعة تنفيذها بشكل دوري.
وفي السياق ذاته، أكد الخبير أن جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مجال الخدمات اللوجستية يحتاج إلى استقرار سياسي وقانوني، وهو ما يتوفر في المغرب مقارنة بدول أخرى في المنطقة. غير أن المستثمرين ينتظرون أيضاً وضوحاً في الحوافز الضريبية، وسهولة في الحصول على التراخيص، وسرعة في الربط بشبكات الطاقة والمياه.
وخلص طاهري إلى أن المغرب يمتلك كل المقومات الطبيعية والبشرية ليكون مركزاً لوجستياً عالمياً، لكن ذلك يبقى رهيناً بتحويل هذه المقومات إلى منظومة متكاملة تخدم المستثمرين والمستهلكين على حد سواء. وأكد أن الوقت الحالي هو الأنسب لاتخاذ قرارات جريئة، نظراً للتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية التي تفتح فرصاً جديدة أمام المملكة.
وتأتي هذه التوصيات في وقت تتزايد فيه أهمية الخدمات اللوجستية كقطاع حيوي لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز صادرات المملكة، وخلق فرص العمل. ومن المنتظر أن تطلق الحكومة المغربية حزمة من الإصلاحات في القطاع اللوجستي خلال العام المقبل، تتضمن تحسين البنية التحتية الرقمية، وتطوير المناطق اللوجستية الحرة، وتوقيع اتفاقيات شراكة مع القطاع الخاص.
التعليقات (0)
اترك تعليقك