الرباط، المغرب — بعد خمس سنوات من اعتماد النموذج التنموي الجديد، وهو الإطار الاستراتيجي الذي وضعته المملكة لتوجيه مسارها نحو التحول الاقتصادي والاجتماعي، برزت تساؤلات حول مدى تحقيق هذا النموذج لأهدافه المعلنة.
اعتمد النموذج التنموي الجديد في عام 2021، ليكون بمثابة بوصلة استراتيجية تقود المغرب نحو مرحلة جديدة من التنمية، تركز على تعزيز الدولة الاجتماعية ورفع مستوى النمو الاقتصادي. وتشمل أهدافه تقليص الفوارق الاجتماعية، وتحسين جودة الخدمات العامة، ودعم القطاعات الإنتاجية.
أظهرت الحصيلة الرسمية حتى الآن تقدما ملحوظا في عدة مجالات، أبرزها توسيع شبكة الحماية الاجتماعية، حيث استفاد ملايين المواطنين من برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب إصلاح منظومة الصحة والتعليم. كما سجلت المغرب معدلات نمو اقتصادي متفاوتة، تراوحت بين 1.5% و4% سنويا، متأثرة بعوامل داخلية وخارجية مثل الجفاف والتضخم العالمي.
في المقابل، أوردت تقارير حكومية ومؤسسات دولية أن النموذج لا يزال يواجه تحديات هيكلية، أبرزها ضعف مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، واستمرار البطالة خصوصا بين الشباب، وارتفاع تكاليف المعيشة. ويشير المحللون إلى أن وتيرة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية لم ترتق بعد إلى المستوى المطلوب لتحقيق الأهداف الطموحة المحددة في الأفق الزمني 2025-2035.
أفادت وزارة الاقتصاد والمالية في تقرير صدر في سبتمبر 2024 بأن النموذج التنموي الجديد ساهم في تحسين مؤشرات التنمية البشرية في بعض المناطق، لكن التفاوتات بين الحواضر والبوادي لا تزال قائمة. كما أشار التقرير إلى أن نسبة الفقر انخفضت من 4.8% إلى 3.9% خلال السنوات الثلاث الماضية، إلا أن هذه الأرقام لا تعكس الصعوبات التي يواجهها الفئات الهشة في ظل ارتفاع الأسعار.
على صعيد آخر، أظهرت تقييمات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن النموذج يحتاج إلى تسريع وتيرة إصلاح المؤسسات العمومية وتحديث الإدارة، فضلا عن تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد. ولفت المجلس إلى أن الاستثمار الخاص لا يزال دون المستوى المطلوب، على الرغم من الحوافز الضريبية والإجراءات المبسطة التي أقرتها الحكومة.
من المنتظر أن تعلن الحكومة المغربية في الربع الأول من عام 2025 عن خطة تقييم شاملة للنموذج التنموي الجديد، تتضمن مؤشرات أداء محدثة وجدولا زمنيا للمراجعات الممكنة. كما تخطط السلطات لإطلاق حوار وطني حول آليات تسريع النمو الشامل، مع التركيز على تحسين مناخ الأعمال وتطوير القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، كالطاقات المتجددة والصناعات الغذائية والتكنولوجيا المالية.
وتترقب الأوساط الاقتصادية والاجتماعية هذه المراجعة، وسط آمال بأن تساهم في تصحيح المسار وتعزيز المكتسبات، خاصة في ظل الظروف الإقليمية والدولية المتغيرة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك