الترويج المبكر لرئيس الحكومة المغربية: إشكال دستوري أم ممارسة سياسية؟
في خضم الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة، يثير الترويج المبكر لرئيس الحكومة المغربية جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والحقوقية. فبينما ترى بعض الأطراف أن الحديث عن شخص بعينه قبل الاقتراع يمس بجوهر العملية الديمقراطية، يعتبر آخرون أنه جزء من التوقعات المشروعة في أي نظام سياسي. غير أن الأمين العام لحزب جبهة القوى الديمقراطية، مصطفى بنعلي، يذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن هذه التكهنات “لا تحترم مضامين الدستور”، ومتسائلاً عن الجهات التي تقف وراء هذا الترويج وما إذا كانت تسعى لتقوية المؤسسات أم إضعافها.
ويستند بنعلي في موقفه إلى الفصل الدستوري الذي يخول للملك تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات، مشيراً إلى أن الممارسة السياسية جرت على تعيين الأمين العام أو المسؤول الأول في ذلك الحزب، في إطار “تأويل ديمقراطي للدستور”. لكنه يستدرك قائلاً: “ما يدعو إلى القلق ليس ممارسة الملك اختصاصاته الدستورية، وإنما أن يُرَوَّج لكون دولة أجنبية أو أصحاب مصالح هو من سيختار رئيس الحكومة المغربية”.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتصاعد فيه الأنباء حول احتمال تولي فوزي لقجع، القيادي البارز في حزب الأصالة والمعاصرة، رئاسة الحكومة المقبلة. غير أن بنعلي يرفض الخوض في “نقاشات مبنية على المجهول”، داعياً إلى تركيز الاهتمام على البرامج الانتخابية بدل الأشخاص، ومذكراً بأن “الأعراف الديمقراطية تقتضي أن يتصدر الانتخابات الحزب الذي يقدم برنامجاً واضحاً ويختار مرشحين أكفاء”.
الانتخابات بين البرامج والأشخاص: أزمة نخب أم استقطاب سياسي؟
ويطرح الجدل حول الترويج المبكر لرئيس الحكومة المغربية سؤالاً أعمق يتعلق بجدوى الانتخابات إذا كانت النتائج محسومة سلفاً. فمن جهة، يرى مراقبون أن الحديث عن شخصيات بعينها قبل الاقتراع يفرغ العملية الانتخابية من مضمونها، ويحولها إلى مجرد إجراء شكلي. ومن جهة أخرى، يرى آخرون أن التكهنات جزء من اللعبة السياسية، وأن الدستور يترك هامشاً للملك في الاختيار من الحزب الفائز.
وفي هذا السياق، ينتقد بنعلي الأحزاب التي تراهن على استقطاب “الأعيان” القادرين على جلب المقاعد الانتخابية، بغض النظر عن كفاءتهم أو قدرتهم على ممارسة الوظيفة التشريعية والرقابية. ويضرب مثلاً بتزكية حميد شباط سابقاً، الذي انضم إلى الحزب ثم غادره بعد توترات، مؤكداً أنه لا يعتبر ما وقع خطأ، وأنه سيتخذ القرار نفسه لو تكررت الظروف. ويضيف: “السياسة ليست عملاً فردياً، بل ممارسة جماعية ومؤسساتية”.
ويرى بنعلي أن الحزب في المغرب قد يبني نفسه تنظيماً وإشعاعياً، لكنه يجد نفسه مع كل استحقاق انتخابي في حاجة إلى مرشحين قد يطغى حضورهم الشخصي على البناء التنظيمي. وهذه المعضلة، حسب تعبيره، تجعل العملية معقدة، وتستدعي الانتقال إلى انتخابات يكون التنافس فيها قائماً على البرامج والأفكار، وعلى شخصيات قادرة على الإسهام في بناء مؤسسات قوية.
ويختتم بنعلي حديثه بالإشارة إلى أن أحزاب الأغلبية الثلاثية (التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، الاستقلال) تتحدث منذ نحو سنة عن تصدرها المرتقب للانتخابات، متسائلاً: “على أي أساس؟”، ومؤكداً أن المواطن هو من يقرر عبر صناديق الاقتراع، وأن “الترويج المبكر لرئيس الحكومة المغربية” لا يخدم الديمقراطية.
وللاطلاع على المزيد من التحليلات السياسية، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب. كما يمكن الرجوع إلى دستور المغرب لفهم النصوص القانونية المنظمة لتعيين رئيس الحكومة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك