شهد قطاع التعليم في المغرب خلال العقد الماضي (2015-2025) تحولات جذرية، حيث أطلقت المملكة واحدة من أكبر الأوراش الإصلاحية في تاريخها الحديث، بهدف تحديث المنظومة التربوية ورفع جودتها. ومع اقتراب نهاية هذه الفترة، يبرز سؤال جوهري حول مدى نجاح هذه الإصلاحات في تحقيق أهدافها. في هذا السياق، أصدرت الجمعية المغربية لتحسين جودة التعليم (أماكوان) تقريرًا تقييميًا شاملًا يغطي هذه السنوات العشر، ليرسم صورة دقيقة عن واقع المدرسة المغربية. هذا التقييم لإصلاح التعليم في المغرب 2015-2025 يسلط الضوء على النجاحات والإخفاقات، ويقدم رؤية مستقبلية قابلة للتنفيذ.
البنية التحتية والتخطيط الاستراتيجي: أساس متين
من أبرز ما توصل إليه التقرير هو الإشادة بالجهود الكبيرة في مجال التخطيط الاستراتيجي وبناء البنية المؤسسية. فقد تم اعتماد الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 بعد عملية تشاور واسعة شملت أكثر من 64 ألف مشارك من مختلف جهات المملكة، إضافة إلى 26 منظمة نقابية وجمعوية. وقد تجسدت هذه الرؤية في القانون الإطار 51.17، الذي كرس مبادئ الإنصاف والجودة والمواطنة كأسس للمنظومة التعليمية. كما تم تطوير أدوات حكامة حديثة، مثل نظام مسار للمعلومات، ولوحات القيادة الاستراتيجية، وأكثر من 130 مؤشر أداء لمراقبة تنفيذ البرامج التعليمية. هذه الإنجازات جعلت المغرب يحتل مكانة متقدمة في المنطقة من حيث جودة التخطيط التربوي، وهو ما يعكس إرادة سياسية قوية لإصلاح القطاع.
الفجوة بين النصوص والتطبيق: التحدي الأكبر
على الرغم من التقدم المؤسسي، يشير التقرير إلى وجود فجوة كبيرة بين ما هو منصوص عليه في الوثائق الرسمية وما يحدث فعليًا في الفصول الدراسية. فالمغرب يعاني من ما يسمى بـ”التضخم النصي”، حيث يتم إنتاج استراتيجيات وقوانين عديدة، لكن ترجمتها على أرض الواقع تبقى محدودة. وقد أظهرت الدراسات أن مساهمة المعلمين والنقابات في صياغة القرارات النهائية كانت ضعيفة، مما زاد من شعورهم بالاغتراب عن عملية الإصلاح. هذا الواقع أدى إلى تفاقم الاحتقان الاجتماعي، خاصة بعد إقرار النظام الأساسي الجديد للمعلمين، حيث أظهر استطلاع للرأي أن 45% من المعلمين يعتقدون أن المناخ المدرسي لم يعد ملائمًا لنقل القيم.
مؤشرات مقلقة: التعلم والهدر المدرسي
يكشف التقييم عن نتائج مقلقة في مجال التعلمات الأساسية. ففي القراءة، لا يتجاوز نسبة التلاميذ الذين يحققون المستوى المطلوب 40%، بينما تستهدف خارطة الطريق 2022-2026 رفع هذه النسبة إلى 82% بحلول 2026. كما أن نتائج الاختبارات الدولية مثل TIMSS 2023 أظهرت تراجعًا حادًا، حيث لم يتجاوز 18% من تلاميذ الإعدادي الحد الأدنى في العلوم، مقارنة بنحو النصف قبل سنوات. أما فيما يخص الهدر المدرسي، فقد عاد للارتفاع بعد فترة من التحسن، حيث غادر أكثر من 56 ألف تلميذ إضافي النظام التعليمي بين 2021 و2024، ليصل العدد السنوي إلى حوالي 276 ألف تلميذ. هذه الأرقام تدق ناقوس الخطر وتستدعي تدخلًا عاجلًا.
الإنفاق العمومي: حجم كبير وعائد ضعيف
يخصص المغرب ما يقارب 6% من الناتج الداخلي الخام و25% من الميزانية العامة للتعليم، وهي نسب مرتفعة مقارنة بالعديد من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ومع ذلك، فإن فعالية هذا الإنفاق تبقى موضع تساؤل، حيث يذهب ما بين 80% و90% من ميزانية الوزارة إلى الأجور، مما يترك هامشًا ضئيلًا للاستثمار في الابتكار البيداغوجي وتكوين الأطر. ويقدر التقرير أن العجز في المهارات الأساسية لدى التلاميذ يكلف الاقتصاد المغربي ما بين 48 و60 مليار درهم سنويًا، بسبب تأثيره السلبي على الإنتاجية والتشغيل. لذلك، يدعو التقرير إلى التحول نحو ثقافة الأداء، حيث ترتبط الموارد بالنتائج المحققة وليس فقط بالوسائل المستخدمة.
المعلمون: ركيزة الإصلاح أم نقطة ضعفه؟
يؤكد التقرير أن نجاح أي إصلاح تعليمي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوضعية المعلمين. فبالرغم من الجهود المبذولة لتطوير التكوين الأساسي وتحسين ظروف العمل، إلا أن التكوين المستمر يظل غير منتظم وغير ملائم لاحتياجات الميدان. وتشير الإحصائيات إلى أن 74% من المعلمين لا يستفيدون من مرافقة كافية لتطوير كفاءاتهم المهنية. كما أن التوترات الاجتماعية الأخيرة أثرت سلبًا على مناخ الثقة بين الأطر التربوية والإدارة. ويشدد التقرير على أن الإصلاح لا يمكن أن يفرض من الأعلى، بل يجب أن يُبنى بالتعاون مع المعلمين، من خلال دعم مستمر وتقدير حقيقي لدورهم المحوري.
السياسة اللغوية: عائق أمام التعلمات
تعد مسألة لغة التدريس من أكثر القضايا إثارة للجدل، حيث يرى التقرير أنها تشكل عائقًا رئيسيًا أمام تحسين الأداء الدراسي. فقد أظهرت نتائج PISA 2022 أن المغرب حصل على 339 نقطة، أي أقل بكثير من متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية البالغ 476 نقطة. كما سجلت العلوم تراجعًا بـ67 نقطة بين TIMSS 2019 و2023. ويعزو التقرير هذه النتائج إلى ضعف إعداد الانتقال اللغوي، مما يزيد من الفجوة بين التلاميذ من خلفيات اجتماعية مختلفة. ويوصي بتبني مقاربة تدريجية تركز على قدرات المتعلمين الفعلية، مع تعزيز إتقان اللغات منذ السنوات الأولى من التعليم.
التوجيه المدرسي: خدمة غير كافية
يعاني التوجيه المدرسي من نقص حاد في الموارد البشرية، حيث يتولى مستشار واحد مرافقة حوالي 3000 تلميذ، مما يجعل أي متابعة فردية شبه مستحيلة. هذا الوضع يساهم في ارتفاع نسب الفشل في التعليم العالي، خاصة في الشعب المفتوحة، حيث تصل نسب الانقطاع إلى 40-50%. ويشدد التقرير على ضرورة تحويل التوجيه إلى عملية مستمرة تشارك فيها الأسر والمعلمون والمختصون، لضمان اختيارات دراسية ومهنية ناجحة.
توصيات للمستقبل: من الإصلاح إلى النتائج
في ختام تقريره، لا يدعو التقرير إلى إصلاح جديد، بل إلى تعزيز وتثبيت المكتسبات. ويوصي بتقوية التقييم المستقل للسياسات العمومية، ومنح مزيد من الاستقلالية للمؤسسات التعليمية، وإعادة توجيه الاستثمارات نحو التعلمات الأساسية، وتطوير ثقافة المساءلة. كما يشدد على أن نجاح الإصلاح لا يقاس بعدد القوانين أو حجم الميزانيات، بل بقدرة النظام على تحسين مكتسبات التلاميذ وتقليص الفوارق. وللاطلاع على المزيد من التفاصيل حول الإصلاحات التعليمية في العالم، يمكنكم زيارة ويكيبيديا – التعليم. وللحصول على آخر الأخبار والتحليلات، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك