في خضم الأحداث المتسارعة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة، برزت قضية جوهرية تتعلق بكيفية تعامل الحكومة المغربية مع الأزمات الكبرى. فقد أكد الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، إحسان الحافيظي، أن أزمة التواصل الحكومي في أحداث سبتة لم تكن مجرد هفوة عابرة، بل هي نمط متكرر في تدبير الملفات الحساسة، مما فتح الباب أمام خصوم المغرب لتمرير أجنداتهم الدعائية.
التأخر الحكومي: بوابة للسرديات الإسبانية
لقد كان التأخر في إصدار موقف رسمي واضح من الأحداث بمثابة فراغ إعلامي سارع المتربصون إلى ملئه. فبينما التزمت الحكومة الصمت، انطلقت وسائل إعلام إسبانية في نسج روايات متعددة ومتناقضة، بدأت باتهامات تتعلق بالاتجار بالبشر، ثم انتقلت إلى التحذير من تهديدات أمنية لأوروبا، وصولاً إلى نظريات مؤامرة تستهدف الأجهزة الأمنية المغربية. هذا الفراغ سمح بترسيخ صورة سلبية عن المغرب في الرأي العام الدولي، وأضعف موقفه التفاوضي.
دور الإعلام المغربي في الأزمة
لم تكن بعض المنابر الإعلامية المغربية بمنأى عن النقد، إذ ساهمت في تضخيم الأزمة بنقلها لتصريحات انفعالية لعائدين حملوا الدولة مسؤولية ما حدث، دون تمحيص أو تدقيق. هذا التناول غير المسؤول أعطى ذريعة لليمين المتطرف الأوروبي لتشديد الخناق على المغاربة في إجراءات الحصول على تأشيرة شنغن، مما زاد من معاناة المواطنين العاديين.
الخطاب المغربي الجديد: رجة في صفوف الإسبان
في تطور لافت، خرج وزير العدل المغربي ليصف سبتة ومليلية بأنهما مدينتان محتلتان، وهو ما أحدث ارتباكاً واضحاً في الجانب الإسباني. فقد سارع مسؤولون إسبان، من عمدة سبتة إلى وزيرة الدفاع، إلى إصدار تصريحات دفاعية في محاولة لتهدئة الرأي العام المحلي. هذا الموقف الشجاع كشف تناقضات إسبانيا التي تستنكر الاحتلال في مناطق أخرى بينما تمارسه في شمال إفريقيا.
اجتهاد فردي أم استراتيجية متكاملة؟
رغم النجاح النسبي لهذا الخطاب في إحراج إسبانيا، إلا أن الحافيظي يرى أن تصريح الوزير كان مجرد اجتهاد فردي لرفع الحرج، وليس ثمرة استراتيجية تواصلية شاملة. فالحكومة ما زالت تفتقر إلى رؤية واضحة للتعامل مع عائلات الضحايا، وتركت المؤسسة الأمنية والإدارة الترابية تواجهان الأزمة بمفردهما في الميدان.
الشباب المهاجرون: ضحايا فشل السياسات العمومية
يشدد الخبير على أن الشباب الذين حاولوا اقتحام سبتة هم نتاج غياب الأفق وفشل السياسات العمومية في قطاعات حيوية كالتشغيل والتعليم والصحة. ولا ينبغي تحميل الأجهزة الأمنية مسؤولية هذا الفشل الاجتماعي الذي يتحمله السياسيون. فالمؤسسة الأمنية، بنظام الحكامة الصارم الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة، تؤدي دورها على أكمل وجه رغم الظروف الصعبة.
دروس مستفادة: نحو مقاربة استباقية
في الختام، يدعو الحافيظي إلى ضرورة اعتماد مقاربة استباقية لإدارة المخاطر، وتأسيس خلايا للخبراء المتخصصين داخل الوزارات المعنية لمواجهة حروب التضليل الرقمي والجيل الرابع. فالصمت أو الاستفزاز ليسا حلاً، بل يجب بناء خطاب تفاعلي مستمر يصحح الأخبار الزائفة ويعزز ثقة المواطن في مؤسساته. إن أزمة التواصل الحكومي في أحداث سبتة تمثل درساً قاسياً يجب أن يترجم إلى إصلاحات جذرية في منظومة التواصل الحكومي برمتها.
لمزيد من المعلومات حول إدارة الأزمات، يمكنكم الاطلاع على إدارة الأزمات في ويكيبيديا.
تابعوا آخر الأخبار والتحليلات على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك