عاجل

الانتقال إلى اقتصاد الابتكار في المغرب: خارطة طريق لإنعاش التشغيل وريادة الأعمال

الانتقال إلى اقتصاد الابتكار في المغرب: خارطة طريق لإنعاش التشغيل وريادة الأعمال

الانتقال إلى اقتصاد الابتكار في المغرب: ضرورة استراتيجية لمواجهة تحديات التشغيل

لم يعد النموذج الاقتصادي القائم على استيراد التكنولوجيا وتقليد الممارسات الأجنبية كافياً لضمان ازدهار المغرب في العقد القادم. هذا ما يؤكده طارق حدي، الرئيس التنفيذي لصندوق Azur Innovation Fund ورئيس منظمة Gen J، الذي يرى أن المملكة وصلت إلى ما يسميه “الحدود التكنولوجية”، حيث تتراجع مردودية النموذج الحالي. ويقترح حدي، في حوار مع “L’Info en Face” على قناة “Matin TV”، الانتقال إلى اقتصاد الابتكار في المغرب كخيار وحيد لتحقيق نمو مستدام وخلق فرص عمل نوعية للشباب.

ويشير حدي إلى أن الاقتصاد المغربي استفاد لسنوات من استيراد الآلات والذكاء الاصطناعي وجذب الاستثمارات الأجنبية وتكوين الكفاءات، مما سمح بتطوير قطاعات استراتيجية مثل السيارات والطيران والكيمياء. لكن مع اقتراب الاقتصاد من الحدود التكنولوجية، تصبح هذه المكاسب أقل تأثيراً، إذ تتحول التقنيات المستوردة إلى سلع شائعة وغير مميزة، مما يقلص هوامش الربح والإنتاجية. ويضيف: “يجب الانتقال إلى اقتصاد الابتكار لخلق تقنيات جديدة وأسواق جديدة، وتحسين التنافسية عبر الجودة والخدمات ونماذج الأعمال المبتكرة”.

أزمة التشغيل: عندما يصبح النمو غير كافٍ لخلق فرص العمل

تكشف الأرقام التي يقدمها حدي عن مفارقة خطيرة: ففي العقد الأول من القرن الحالي، كانت نقطة نمو واحدة تخلق 22,500 فرصة عمل، أما اليوم فلا تتجاوز 5,800 فرصة. هذا التراجع الحاد في مرونة التشغيل يعكس استنفاد النموذج الحالي. وتؤكد بيانات المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2026 أن معدل البطالة بين حاملي الشهادات العليا بلغ 16.7%، مقابل 3.8% فقط بين غير الحاصلين على شهادات، بينما يصل لدى الشباب (15-24 سنة) إلى 27.2%. هذه الأرقام تضع مسألة الابتكار في صميم النقاش الاجتماعي، لأنها تتعلق مباشرة بقدرة الاقتصاد على توفير وظائف ذات قيمة مضافة عالية في مجالات التصميم والتسويق والبحث والتطوير.

ويوضح حدي أن “الشهادة لم تعد تلعب دور المصعد الاجتماعي كما كانت”، مشيراً إلى أن 43% من الخريجين يشغلون وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم. ومن هنا، يصبح الانتقال إلى اقتصاد الابتكار ضرورة لتصحيح هذا الخلل وفتح آفاق جديدة أمام الكفاءات الشابة.

الشركات الناشئة: الحلقة المفقودة في المنظومة الإنتاجية

يرى حدي أن ضعف منظومة الشركات الناشئة في المغرب لا يعود فقط إلى نقص التمويل أو صغر حجم السوق، بل إلى غياب اقتصاد ابتكار حقيقي. ويشرح: “الشركات الناشئة التي تنجح هي تلك التي تكون مرتبطة باقتصاد ابتكار، حيث تحتاج الشركات الكبرى إلى حلول مبتكرة تطورها الشركات الناشئة”. لكن في المغرب، لا تزال هذه الشراكة غائبة. وتشير دراسة وطنية حول الابتكار أجريت سنة 2025 إلى أن أكثر من سبع شركات من كل عشر تطور مشاريعها الابتكارية بتمويل ذاتي وفرق داخلية، دون إشراك الجامعات أو الشركات الناشئة. كما أن الإنفاق على البحث والتطوير لا يتجاوز 1% من الناتج الداخلي الإجمالي، وهو أقل بكثير من المعايير الدولية.

ويقترح حدي بناء منظومات ابتكار قطاعية حول شركات كبرى “محورية”، تجمع الموردين والعملاء والشركات الناشئة والجامعات ومراكز البحث وصناديق الاستثمار. وتلعب الدولة دوراً عبر حوافز متكاملة تشمل دعم الاستثمار والبحث والتطوير والمساعدة التقنية والطلب العمومي. ويشدد على ضرورة ربط المساعدات العمومية بقدرة الشركات على بناء منظومات ابتكار مفتوحة وتعاونية، مع صرف التمويلات بشكل تدريجي حسب تقدم المشاريع.

تمويل الابتكار: وفرة في الموارد وتشتت في التنسيق

على الرغم من التحديات، يؤكد حدي أن الموارد المالية موجودة لكنها غير منسقة. ويستشهد بالبرنامج الوطني لدعم البحث والتطوير والابتكار 2025-2028 الذي رصد مليار درهم، منها 200 مليون درهم لاستقطاب الكفاءات المغربية بالخارج. كما أن عرض “Startup Venture Building” في إطار “المغرب الرقمي 2030” خصص أكثر من 700 مليون درهم لمواكبة 800 شركة ناشئة على مدى ثلاث سنوات. ويضاف إلى ذلك الصندوق التحفيزي للشركات الناشئة الذي سيوفر 347 مليون درهم من الأموال العمومية لتمويل صناديق رأس المال المخاطر، مما سيولد استثمارات تصل إلى 2.5 مليار درهم.

ويقول حدي: “جيوب التمويل موجودة وهي ضخمة، لكن المشكلة هي تشتتها بين عدة آليات وجهات فاعلة”. ويدعو إلى “إعادة التنظيم” وتحسين وضوح عروض التمويل ودمجها في استراتيجية وطنية موحدة. ويمكن للراغبين في معرفة المزيد عن الابتكار في المغرب زيارة صفحة الابتكار على ويكيبيديا.

حوكمة وطنية للابتكار: مطلب ملح

يدعو حدي إلى عقد “مناظرة وطنية للابتكار” في أول 100 يوم من الحكومة المقبلة، بهدف توحيد الجهود وتحديد حوكمة وطنية للقطاع. ويقترح أن يكون هذا القطاع تحت إشراف رئيس الحكومة مباشرة، نظراً لطابعه transversal الذي يمس الصناعة والتعليم العالي والاستثمار والرقمنة والبحث والتمويل. كما يقترح إنشاء “مرصد وطني للابتكار” لقياس النتائج وتقييم السياسات، و”مدن الابتكار” حول الجامعات، و”وكالة وطنية للابتكار” تكون جهة اتصال وحيدة للشركات، تجمع كل أشكال الدعم في شباك واحد.

ويشير حدي إلى أن هذه المقترحات تأتي في إطار “ميثاق الابتكار 2026-2031” الذي تحمله منظمة Gen J، والذي يهدف إلى جعل الابتكار محركاً للتنافسية. ويرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يلعب دوراً محورياً في هذه التحول، لكن بشرط دمجه في المنظمات وطرق العمل، وليس فقط استخدام تطبيقات مثل ChatGPT. ويحذر: “مخاطر عدم استخدام الذكاء الاصطناعي وعدم الابتكار أخطر بكثير من مخاطر استخدامهما”.

وللاستلهام، اختار حدي نموذج الهند وبانغالور، لأنها تقدم مثالاً على “الابتكار المقتصد” الذي يناسب دولاً مثل المغرب. ويهدف إلى تطوير ابتكار مقتصد على المقاس المغربي، مع خطط عمل وأدوات وشراكات قابلة للتطبيق. ولمتابعة المزيد من التحليلات الاقتصادية، يمكن زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

في الختام، يبدو أن الانتقال إلى اقتصاد الابتكار في المغرب لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحة لمواجهة تحديات التشغيل وتنافسية الاقتصاد. ويتطلب ذلك إرادة سياسية قوية، وتنسيقاً محكماً بين الفاعلين، واستثماراً في الرأسمال البشري والبحث العلمي. فهل سينجح المغرب في عبور هذه المرحلة الانتقالية؟

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.