العلاقات المغربية البرازيلية: استمرارية استراتيجية بعد الولاية الرابعة للولا
لم يكن فوز لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رابعة في انتخابات أكتوبر 2026 مجرد حدث انتخابي عابر في أمريكا اللاتينية؛ بل شكل نقطة تحول تنتظرها عواصم عدة، وفي مقدمتها الرباط. فبعد حسمه السباق أمام منافسه المحافظ فلافيو بولسونارو، تتجه الأنظار إلى ما ستعنيه هذه العودة بالنسبة إلى العلاقات المغربية البرازيلية، التي يصفها الخبراء بأنها من أكثر الشراكات استقرارا بين المغرب ودول الجنوب، إذ تحكمها مصالح الدولة وليس تقلبات الأحزاب أو الانتماءات الإيديولوجية.
في هذا التحليل، نستعرض أبعاد هذه الشراكة من زوايا متعددة: البعد الاقتصادي المرتبط بالأمن الغذائي، والبعد السياسي المرتبط بملف الصحراء المغربية، والبعد الجيواستراتيجي المرتبط بالفضاء الأطلسي ودبلوماسية القمم. ولمتابعة آخر المستجدات السياسية والاقتصادية، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
لماذا لا تتأثر العلاقات المغربية البرازيلية بتغيّر الحكومات؟
يرى عبد العالي باروكي، الأستاذ الجامعي المختص في الدراسات الإيبيرية والأمريكية اللاتينية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن العلاقات بين الرباط وبرازيليا تقوم في جوهرها على منطق علاقات دولة بدولة، وهو ما يفسر استقرارها التاريخي رغم تعاقب الحكومات واليمين واليسار على السلطة. ويستند في ذلك إلى تجربة الولايات السابقة للولا، التي اتسمت بإيجابية كبيرة في التعامل مع المغرب واستمرار العمل بالاتفاقيات الثنائية.
ويشدد باروكي على أن انتماء الرئيس البرازيلي إلى معسكر اليسار لا يغيّر عادة طبيعة هذه العلاقات، ولم يسجل أي تراجع في مسار التعاون أو في موقف برازيليا من قضية الصحراء المغربية. ويقارن ذلك بدول أخرى ذات اقتصادات هشة تخضع خياراتها الدبلوماسية أحيانا لمرجعيات أيديولوجية راديكالية تدفعها إلى مواقف مناوئة للمغرب، بينما تحافظ البرازيل على ثبات علاقاتها الإيجابية مع الرباط رغم التحولات الحكومية والأيديولوجية.
الأمن الغذائي في قلب الشراكة الاقتصادية
من منظور اقتصادي، يرى محمد عطيف، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة أبي شعيب الدكالي بالجديدة والباحث المتخصص في شؤون أمريكا اللاتينية، أن الشراكة بين البلدين انتعشت بشكل ملحوظ منذ سنة 2000 إلى أن بلغت مستويات قياسية قاربت 2.8 مليارات دولار في سنة 2024. ويذكّر بأن المغرب كان من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال البرازيل، ما يمنح العلاقة رصيدا تاريخيا متينا.
ويبرز عطيف أن المغرب شريك تجاري حيوي للبرازيل في القارة الإفريقية، إذ يزوّدها بالأسمدة الفوسفاطية الداعمة لقطاعها الزراعي، بينما تستورد المملكة من البرازيل البروتينات الحيوانية واللحوم الحمراء، وقد ارتفعت وتيرة هذه الواردات بشكل كبير في الآونة الأخيرة. ولهذا يعتبر أن الفلاحة والأمن الغذائي هما المحور الأقوى حاليا في منظومة التعاون بين البلدين.
وتعكس المعطيات التجارية هذا الترابط، فالتبادل السنوي يتوزع بشكل متوازن تقريبا بين صادرات مغربية في حدود 1.4 إلى 1.6 مليارات دولار، وواردات من البرازيل بين 1.4 و1.5 مليارات دولار. وعلى مستوى الاستثمار، وقّعت أو سي بي نيوترا كروبس، فرع المجموعة الشريفة للفوسفاط، مذكرة تفاهم مع وزارة الفلاحة البرازيلية في 18 شتنبر الماضي بجرف الأصفر، تحدد حجما مرجعيا قدره 3.8 ملايين طن من الأسمدة الفوسفاطية للفترة 2026-2027، وهي تغطي نحو 76 في المائة من العجز الذي تتوقعه برازيليا لموسم 2026-2027.
وفي الاتجاه المعاكس، تعد البرازيل من أبرز موردي الأبقار المخصصة للذبح بالمغرب، في سياق مساعي المملكة لتخفيف الضغط على القطيع الوطني في السنوات الثلاث الأخيرة. ولمزيد من التفاصيل حول العلاقات الاقتصادية بين البلدين، يمكن الرجوع إلى صفحة العلاقات البرازيلية المغربية على ويكيبيديا.
موقف ثابت من قضية الصحراء المغربية
سياسيا، يلفت عطيف إلى أن حزب العمال الحاكم يتبنى توجها إيجابيا، مشيرا إلى التقييم الإيجابي لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، باعتبارها نموذجا للحوار المرتكز على القانون الدولي ويخدم التنمية في الأقاليم الجنوبية. ويذكّر بأن البرازيل لم تعترف قط بالكيان الوهمي، على خلاف دول لاتينية أخرى تأرجحت مواقفها بحسب انتماء الحكومات؛ فاعترف اليسار حينا، وسحب اليمين الاعتراف حينا آخر، أما برازيليا فظل موقفها ثابتا مهما وصلت أحزاب يمينية أو يسارية إلى الحكم.
ويستحضر هذا الثبات محطات مؤسسية بارزة، من بينها:
- الزيارة الملكية إلى برازيليا في نونبر 2004 التي أرست حوارا مباشرا بين القيادتين.
- المحادثات التي جمعت بالرباط في يونيو 2024 ناصر بوريطة بنظيره البرازيلي ماورو فييرا، وصدر عقبها بيان مشترك أشاد فيه الجانب البرازيلي بجهود المغرب الجادة وذات المصداقية في مسار تسوية النزاع.
- الاستمرارية في التعامل الإيجابي مع ملف الصحراء رغم تعاقب الإدارات المختلفة على الحكم في برازيليا.
وفي السياق ذاته، يؤكد باروكي أن المغرب يملك هامشا دبلوماسيا مريحا بفضل تعدديته الحزبية وانفتاحه على مختلف المرجعيات، من يسار ووسط ويمين؛ وهو ما يتيح له، عبر الدبلوماسيتين الرسمية والموازية، التواصل مع مختلف الأطياف السياسية في دول الجنوب، ومواصلة الترافع عن قضيته الوطنية الأولى دون ارتهان لمرجعية أيديولوجية بعينها.
آفاق الجنوب بين قوتين صاعدتين
على المستوى متعدد الأطراف، يرى عطيف أن البلدين قوتان صاعدتان لهما ثقل في دول الجنوب وحضور لافت في دبلوماسية القمم، ما يمنحهما فرصا لتعزيز التنسيق في القضايا الاقتصادية والتجارية المشتركة. ويعتبر أن قمة دول أمريكا الجنوبية والدول الإفريقية إطار نموذجي لتضافر الجهود، وأن المكانة التي بات المغرب يحتلها في إفريقيا تتيح له، إلى جانب البرازيل، أن يلعب أدوارا مؤثرة داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن وفي صياغة القرار الدولي.
ويظل الفضاء الأطلسي الأفق الأرحب لهذا التقارب؛ فالمبادرة الملكية الأطلسية، الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط عبر الموانئ المغربية، تفتح أمام الفاعلين البرازيليين منصة لوجستية نحو الأسواق الإفريقية الصاعدة، وتتقاطع مع طموح برازيليا إلى ربط الضفتين الجنوبيتين للأطلسي.
وبين رصيد تاريخي ممتد، وتبادل تجاري يقارب 2.8 مليارات دولار، وموقف سياسي لم تهزّه تقلبات الحكم، تبدو الولاية الرابعة للرئيس لولا امتدادا لمسار متراكم أكثر منها منعطفا في علاقة بين بلدين يربطهما منطق المصالح قبل الانتماءات. فالمؤشرات كلها تشير إلى أن العلاقات المغربية البرازيلية مقبلة على مرحلة عنوانها الاستمرارية والتوسع، لا القطيعة أو التراجع.
التعليقات (0)
اترك تعليقك