تمويل المقاولات النسائية في المغرب: بين فجوة الحسابات البنكية وعراقيل الضمانات
على الرغم من التقدم الملحوظ في تعزيز حضور المرأة في المشهد الاقتصادي المغربي، لا تزال رائدات الأعمال يواجهن تحديات جوهرية في الوصول إلى التمويل الكافي لانطلاق مشاريعهن أو توسيعها. وتكشف أحدث تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن فجوة صارخة في امتلاك الحسابات البنكية بين الجنسين، إذ بلغت 20 نقطة مئوية في سنة 2024، مما يعكس تفاوتاً في الوصول إلى الخدمات المالية الأساسية. وتتعمق هذه الفجوة عندما يتعلق الأمر بطلب قروض استثمارية، حيث تجد المقاولات النسائية نفسها أمام متطلبات ضمانات صارمة وسجل ائتماني محدود.
في هذا السياق، يبرز السؤال: كيف يمكن لامرأة تمتلك فكرة مشروع وطموحاً كبيرين، لكنها تفتقر إلى الضمانات التقليدية، أن تحصل على تمويل يلبي طموحاتها؟ الإجابة تكمن في تبني مقاربات مبتكرة لتمويل المقاولات النسائية في المغرب، تشمل آليات لتقاسم المخاطر مع المقرضين، وبرامج للإدماج المالي، وحلولاً رقمية تسهل الوصول إلى رأس المال.
لماذا تعتبر الضمانات العقارية العائق الأكبر أمام المقاولات النسائية؟
في المغرب، لا تزال البنوك التقليدية تطلب ضمانات مادية، غالباً ما تكون عقارية، لتقديم قروض للمشاريع الصغيرة والمتوسطة. وبما أن نسبة كبيرة من النساء لا يملكن عقارات مسجلة بأسمائهن، فإنهن يجدن أنفسهن خارج دائرة الاستفادة من التمويل البنكي. وتضاف إلى ذلك عوامل أخرى مثل عدم وجود تاريخ ائتماني، وضعف الثقافة المالية، مما يزيد من صعوبة الحصول على قروض مهنية.
وتشير دراسة المنظمة إلى أن النساء في المغرب لا يتأخرن فقط في فتح حسابات بنكية، بل يبتعدن أيضاً عن التعامل مع المؤسسات المالية بسبب مخاوف من التعقيدات الإدارية أو عدم الثقة في جدوى القروض. وهنا تبرز أهمية برامج التوعية المالية التي تستهدف النساء، خاصة في المناطق القروية، لتعزيز قدرتهن على إدارة أموالهن والتخطيط لمشاريعهن.
حلول مبتكرة لتمويل المقاولات النسائية: من القروض الجماعية إلى الضمانات البديلة
لمواجهة هذه التحديات، ظهرت مجموعة من المبادرات التي تهدف إلى تسهيل ولوج المقاولات النسائية إلى التمويل. ومن أبرز هذه المبادرات:
- القروض الجماعية: حيث تتحد عدة نساء لتشكيل مجموعة تضامنية، مما يسمح لكل عضوة بالحصول على قرض صغير دون الحاجة إلى ضمانات فردية، إذ يعتمد البنك على الضمان الجماعي.
- الضمانات البديلة: كاستخدام الأصول المنقولة (معدات، مخزون) أو الشيكات أو حتى السجل التجاري كضمانات، بدلاً من العقارات.
- التمويل الأصغر الإسلامي: الذي يقدم صيغاً تمويلية متوافقة مع الشريعة الإسلامية، مثل المرابحة والمشاركة، والتي قد تكون أكثر قبولاً لدى بعض النساء.
- المنصات الرقمية للتمويل الجماعي: التي تتيح لرائدات الأعمال عرض مشاريعهن على مستثمرين أو مانحين عبر الإنترنت، مما يفتح آفاقاً جديدة للتمويل.
وقد أطلقت مؤسسات مثل البنك الشعبي، من خلال فرعه “التوفيق للتمويل الأصغر”، مبادرات رائدة في هذا المجال. ففي دجنبر 2021، أصدر البنك سندات بقيمة 200 مليون درهم، خصصت لتمويل أنشطة مدرة للدخل تقودها نساء، خاصة أولئك البعيدات عن القنوات البنكية التقليدية. وقد مكنت هذه العملية من منح 17,080 قرضاً صغيراً، وفقاً لبيانات مؤسسة FSD Africa. ورغم أن التقرير لا يحدد عدد المستفيدات بشكل دقيق، فإنه يؤكد على أهمية هذه الآلية في تعزيز الشمول المالي.
برامج الدعم والمواكبة: نحو تمكين اقتصادي مستدام
إلى جانب الحلول التمويلية، تلعب برامج المواكبة والتدريب دوراً محورياً في نجاح المقاولات النسائية. فبرنامج “Women in Business”، الذي تنفذه المؤسسة الأوروبية لإعادة الإعمار والتنمية بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، يقدم دعماً لمؤسسات التمويل الأصغر المغربية، مع التركيز على التثقيف المالي وتمكين النساء في المناطق القروية. كما يختبر البرنامج الإقليمي “InclusiveNissa’”، الذي يشارك فيه المغرب، صيغاً مبتكرة مثل القروض الصغيرة بدون ضمانات، وأدوات الادخار الرقمية، والقروض الجماعية.
وتشير بيانات المنظمة إلى أن 53% من التزامات المساعدة الإنمائية الثنائية في القطاعات الاقتصادية والإنتاجية بالمغرب خلال 2022-2023 تضمنت هدفاً للمساواة بين الجنسين، مقابل 47% في ثماني اقتصادات أخرى شملها التقرير. غير أن التقرير لا يوضح حجم المبالغ التي وصلت فعلاً إلى رائدات الأعمال، مما يدعو إلى ضرورة تحسين آليات التتبع والتقييم لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.
ما الذي يحتاجه تمويل المقاولات النسائية في المغرب ليكون أكثر فاعلية؟
يرى خبراء المنظمة أن نجاح أي سياسة لتمويل المقاولات النسائية لا يعتمد فقط على حجم الأموال المرصودة، بل على تصميم أدوات مالية تراعي الخصوصيات الاجتماعية والاقتصادية للنساء. فتقديم ضمانات جزئية يمكن أن يشجع البنوك على الإقراض، بينما يساعد التدريب على إعداد دراسات الجدوى في تقليل مخاطر المشاريع. كما أن ربط التمويل ببرامج التسويق والوصول إلى الأسواق يزيد من فرص استدامة المشاريع.
ومن الضروري أيضاً تعزيز الشفافية في تتبع هذه البرامج، من خلال توثيق من يحصل على التمويل، وبأي شروط، وما هي النتائج التي يحققها، سواء على مستوى بدء النشاط أو توسعه. وهذا ما من شأنه أن يساعد صانعي القرار على تحسين السياسات وتوجيه الموارد نحو الحلول الأكثر فعالية.
في الختام، يبقى تمويل المقاولات النسائية في المغرب رهيناً بتضافر جهود القطاعين العام والخاص، وتوسيع نطاق الحلول المبتكرة، وتعزيز ثقافة مالية لدى النساء. ومن خلال تبني مقاربة شاملة، يمكن تحويل التحديات الحالية إلى فرص حقيقية لتمكين المرأة اقتصادياً، وتحقيق التنمية المستدامة. للمزيد من الأخبار الاقتصادية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك