أثار المخرج الإيراني البارز علي أصغري نقاشاً واسعاً حول تحديات صناعة الأفلام في بلاده، مسلطاً الضوء بشكل خاص على ظاهرة الرقابة الذاتية. خلال تفاعله مع أسئلة الصحافة في الدوحة، الأربعاء 26 نونبر 2025، حذر أصغري من أن هذه الرقابة الداخلية تشكل “خطراً حقيقياً” يتسلل إلى لاوعي المبدعين ويؤثر على اختياراتهم الفنية دون تدخل خارجي مباشر.
الرقابة الذاتية: عدو خفي يتغلغل في الإبداع الإيراني
وأوضح أصغري أن الرقابة في إيران ليست “طبقة واحدة”، بل تتكون من مستويين مختلفين. المستوى الأول هو الرقابة الحكومية الصريحة التي يتعامل معها المخرجون بشكل مباشر. أما المستوى الثاني، وهو الأخطر في نظره، فهو الرقابة الذاتية التي “تعيش داخل الفنان”، وتتكون منذ الطفولة لتصبح جزءاً لا يتجزأ من تكوينه وشخصيته الإبداعية.
يقول أصغري: “الرقابة التي أعرفها أحاول عادة ألا أشغل نفسي بها. أما التي لا نعي وجودها فهي أصعب؛ لأنها تتكون منذ الطفولة وترافق مساراتنا الحياتية والمهنية.” هذا النوع من الرقابة الخفية يعيد إنتاج نفسه كبنية قوية تفرض إملاءاتها داخل النسق السينمائي، مما يحد من آفاق التعبير الحر.
“الاختفاء” و”الكوميديا الإلهية”: شهادات على واقع الرقابة
استشهد أصغري بفيلمه الروائي الأول “الاختفاء” (2027) كمثال حي على تأثير الرقابة الذاتية اللاواعية. صُوّر الفيلم “دون إذن رسمي” لتجنب الرقابة المباشرة، لكن المخرج فوجئ لاحقاً بآثار الرقابة الذاتية. روى أصغري: “بعد عرض الفيلم في المهرجانات، سأل كثيرون من الجمهور لماذا لم يعانق الفتى الفتاة؟ عندها فقط أدركتُ أنني لم أفكر في إمكانية حدوث ذلك أصلا؛ لأنني طوال حياتي كنت أرى أن مشهداً كهذا غير وارد في شوارع طهران.” هذا المثال يكشف كيف تسقط خيارات كاملة من ذهن الفنان دون أن يشعر بها.
ويتنافس فيلمه الجديد “كوميديا إلهية” (إيران/إيطاليا/فرنسا/ألمانيا/تركيا) في المسابقة الدولية للأفلام الطويلة بمهرجان الدوحة السينمائي 2025. يروي الفيلم قصة صانع أفلام في مهمة سرية لعرض فيلمه على الجمهور الإيراني، متجاوزاً مقص الرقيب وتعقيدات البيروقراطية. يؤكد أصغري أن البعض يعتقد أن الرقابة تدفع الفنان إلى الإبداع، لكنه يرى أن “أثرها السلبي على المدى الطويل أكبر من أي مكسب محتمل”.
التحديات والأمل في السينما الإيرانية
أشار المخرج إلى أن الجمهور خارج إيران أصبح على دراية واسعة بأوضاع السينما الإيرانية والضغوط الواقعة على المبدعين، بفضل كثرة الأعمال التي خرجت من البلاد خلال العقد الأخير. لكنه أكد أن تجربته شخصية أيضاً؛ إذ “لم يُعرض أي من أفلامي داخل إيران، ولهذا كنت أرغب أن يُعرض واحد منها على الأقل، ومن هذا التفكير نشأت فكرة فيلم ‘كوميديا إلهية’.”
يختتم أصغري حديثه بالإشارة إلى أن إحدى شخصيات فيلمه “الكوميديا الإلهية” تقول: “لم أقتل أحداً، إنه مجرد فيلم، ولن يحدث شيء بمجرد عرضه.” مؤكداً رغبته في تقديم نظرة مختلفة بعيداً عن خطاب المظلومية أو ارتداء ثوب الضحية. للمزيد من الأخبار الفنية والثقافية، يمكنكم زيارة الجريدة نت.
التعليقات (0)
اترك تعليقك