من يصنع التاريخ حقًا؟ رؤية حسن أوريد في ندوة الأيام الوطنية للبحث التاريخي
في قلب النقاشات الفكرية التي شهدتها “الأيام الوطنية التاسعة والعشرون” للجمعية المغربية للبحث التاريخي بالرباط، ألقى الكاتب والمؤرخ السابق حسن أوريد الضوء على سؤال جوهري: “من يصنع التاريخ؟”. أكد أوريد، الذي أثرى المكتبة المغربية بالعديد من المؤلفات، أن “الشعوب هي التي تصنع تاريخها، فهي صانعة التاريخ الحقيقية”، مستبعدًا فكرة أن يكون السياسي هو الصانع الأساسي له، بل “السياسيون يصنعهم التاريخ وعبيد له” على حد تعبير تولستوي. هذا الطرح يضع مسؤولية صناعة التاريخ في أيدي الجماهير، في مقابل ما أسماه تسييد الذاكرة من قبل المجتمعات غير الديمقراطية.
المؤرخ بين تتبع الزيف وامتلاك الحقيقة
خلال الندوة، التي كرّمت كوكبة من الأساتذة والمؤرخين المرموقين، منهم محمد أعفيف وعلال الخديمي ومحمد أوجامع وعبد العزيز بلفايدة وخالد الشكراوي، تناول أوريد دور المؤرخ، مشيرًا إلى أن المؤرخ لا يملك الحقيقة ولا يتحدث باسمها، بل “جهده تعقب الزيف وفضحه”. هذه الرؤية المتواضعة والعميقة تؤكد أن مهمة المؤرخ هي البحث والتنقيب لكشف المغالطات، لا فرض رواية معينة. وشدد أوريد على أن “الوعي هو حينما يكون التاريخ ثقافة”، معربًا عن تفاؤله بعودة التاريخ ليحتل مكانته التي تراجعت لبعض الوقت لصالح السوسيولوجيا والاقتصاد، بفضل جهود الجامعة والمؤرخين في ربط الإنتاج الأكاديمي بالشغف الجماهيري.
التاريخ والهوية: صراع على الذاكرة الجماعية
لم يقتصر اهتمام أوريد على صناعة التاريخ ودور المؤرخ، بل امتد ليشمل البعد العالمي لتوظيف التاريخ في تشكيل الهويات ورسم ملامح الحاضر والمستقبل. فبعد فترة تهميش، عاد الاهتمام بالتاريخ ليتصدر المشهد العالمي، مرتبطًا بالنزوعات الهوياتية. استعرض أوريد أمثلة حية لذلك، بدءًا من احتفالات روسيا بذكرى الانتصار السوفياتي في “المعركة الكبرى”، مرورًا باحتفالات أوروبا والولايات المتحدة بإنزال نورماندي، وصولًا إلى احتفالات الجزائر بذكرى الاستقلال، واستحضار الصين لمجازر اليابان، وقرار تركيا تحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد. كل هذه الأحداث تُظهر كيف تُصبح الذاكرة التاريخية أداة في يد الأنظمة السياسية لتشكيل رؤيتها الخاصة للحاضر والمستقبل، مما يؤكد أن “المجتمعات غير الديمقراطية” غالبًا ما تسيطر على السرد التاريخي الرسمي، في تحدٍ لدور الشعوب الحقيقي في صناعة التاريخ.
تحديات الوعي التاريخي في عصرنا
إن الرؤية التي قدمها حسن أوريد تدعو إلى وعي أعمق بأهمية التاريخ، ليس فقط كدروس مستفادة من الماضي، بل كقوة دافعة لتشكيل الهوية الجماعية والفردية. ففي ظل سعي البعض لتسييد روايات معينة، يبقى التحدي الأكبر هو تمكين الشعوب من استعادة زمام أمر صناعة تاريخها، وفضح الزيف، وتعزيز ثقافة البحث والنقد. هذا هو السبيل الوحيد لضمان أن تبقى الذاكرة حية وحقيقية، بعيدًا عن أي محاولات للاحتكار أو التوجيه.
التعليقات (0)
اترك تعليقك