عاجل

السياسة والمعرفة: المودن يحلل دور الترجمة في تشكيل المفاهيم السياسية وتحدياتها المعاصرة

السياسة والمعرفة: المودن يحلل دور الترجمة في تشكيل المفاهيم السياسية وتحدياتها المعاصرة

في صميم النقاشات الفكرية التي تتناول العلاقة المتشابكة بين الفعل السياسي والمعرفة الأكاديمية، تبرز إسهامات الأستاذ عبد الحي المودن، المتخصص في العلوم السياسية، والتي تلقي ضوءًا ساطعًا على استقلالية السياسة كممارسة عن الأطر المعرفية الجامدة. إن فهم تعقيدات هذه العلاقة يتطلب استقصاءً عميقًا ليس فقط لطبيعة السياسة نفسها، بل أيضًا للوسائط التي تنقل هذه المعرفة وتشكلها، ومن أبرزها دور الترجمة في تشكيل المفاهيم السياسية وتأثيرها على كيفية إدراكنا للواقع السياسي.

لقد أكد المودن في محاضرته، التي نظمتها الهيئة العليا للترجمة التابعة لأكاديمية المملكة المغربية، أن عوالم السياسة والمعرفة متباينة جوهريًا؛ فالأولى نتاج أفعال وردود أفعال متغيرة، بينما الثانية تسعى نحو الحقيقة، وإن كانت مؤقتة. هذه الاستقلالية لا تعني انفصالاً تامًا، بل تفرض مسؤولية على المعرفة الأكاديمية، بما فيها معرفة السياسة، في السعي الدائم نحو الحقيقة كدرع يحمي الإنسانية من براثن الظلم والطغيان.

تحولات الفكر السياسي ودور الترجمة في تشكيل المفاهيم السياسية

لقد مرت المعرفة السياسية عبر عصور طويلة بتحولات جذرية، بدءًا من الفلاسفة الكلاسيكيين مثل أفلاطون وهيرودوت، وصولاً إلى المنعطفات الفكرية الحديثة وما بعد الحداثة في أواخر القرن العشرين. هذه المعرفة، التي كانت في بداياتها مرتبطة بلغات معينة وبلدان مركزية، شهدت تزايدًا في مصادرها وتنوعًا في لغاتها بعد حقبة الاستقلالات. هذا التوسع أثار تساؤلات جوهرية حول حيادية اللغة ودورها في تشكيل المعرفة، وخصوصًا عندما تُستخدم لغات معينة لفرض مشاريع سيطرة ثقافية أو إيديولوجية.

وفي هذا السياق، يبرز التحدي الذي طرحه أكاديميون مثل عالم الأنثروبولوجيا عبد الله حمودي، الذي دعا إلى كتابة المعرفة الأنثروبولوجية باللغة العربية، كسبيل لتجاوز هيمنة لغات المركز ومفاهيمها. هذا التوجه يسلط الضوء على الحاجة الماسة لتعريب المعرفة ليس فقط كنقل لغوي، بل كإعادة تأصيل للمفاهيم ضمن سياقاتها المحلية، مما يعزز من علم السياسة وتجلياته المتنوعة.

تحديات الترجمة وتوحيد المصطلحات

  • تعدد المرجعيات: أشار المودن إلى أن لغة المعرفة العلمية بالسياسة ومصطلحاتها ليست واحدة، فالمناهج والنظريات المختلفة تنتج معاجم متباينة، مما يجعل مهمة الترجمة أكثر تعقيدًا.
  • الذاتية والموضوعية: تظل اللغة، حتى القانونية منها، رهينة بالوصف الأنسب للكاتب، مما يخلق تعارضًا مستمرًا بين ذاتية الكاتب وموضوعية العلوم المفترضة. هذا التعارض يتجلى بوضوح في تناول قضايا دولية حساسة مثل غزة، حيث تتعدد المصطلحات لوصف الفعل السياسي الواحد.
  • سوء الفهم الثقافي: ذكر المودن مثال المفاهيم الماركسية في المغرب، حيث اختلفت فهمها بين المعربين والمفرنسين بناءً على لغات المراجع التي قرؤوها، مما يؤدي إلى اختلافات جوهرية في تناول قضايا مثل الدين والطائفية.

لقد ساهمت هذه التحديات في دفع مفكرين مثل عبد الله العروي إلى إصدار سلسلة “المفاهيم” لتعميق فهم المصطلحات في سياقاتها الفكرية، مبرزًا كيف أن الفهم الطوباوي للسياسات في العالم العربي (سواء إسلامية، ليبرالية أو اشتراكية) يفسر عجزها عن تغيير واقع الاستبداد. هذا يؤكد على أهمية التدقيق اللغوي والمفاهيمي في الترجمة لضمان نقل المعنى الحقيقي لا مجرد الكلمات.

عولمة المصطلحات والخصوصية المحلية

تطرق المودن إلى “استنبات علم السياسة الأمريكي” الذي نقل المعرفة السياسية من أوروبا إلى أمريكا، مما أنتج كتابات سياسية تنافس الماركسية. بيد أن هذه الترجمات والتبنيات للمفاهيم الغربية غالبًا ما تتخذ معانٍ جديدة لا تتطابق مع معانيها الأصلية، بسبب السياقات الفكرية والسياسية لبلدان المهجر والحسابات الإيديولوجية للمشرفين على الترجمة.

كما استعرض الباحث مصطلحات مثل “الانتقال الديمقراطي” و”الأنظمة الهجينة” و”السلطويات الملبرلة” و”العدالة الانتقالية”، التي انتشرت عالميًا، ولكنها غالبًا ما تُفهم وتُطبق بخصوصية محلية. هذه المصطلحات، رغم عالميتها، تتأثر بشكل كبير بالسياقات الوطنية، مما يفرض على المترجمين والباحثين مسؤولية فهم الأبعاد الثقافية والإيديولوجية لكل مصطلح.

الربيع العربي واللغة السياسية الجديدة

شكل “الربيع العربي” رجّة عنيفة في المعرفة السياسية بالمنطقة، حيث قرئ في البداية كحدث تحولي. ورغم الفورة القصيرة التي شهدتها المنطقة، وتنوع مصائر هذه الثورات بين حروب أهلية أو تقوية للسلطوية، فقد أبرزت هذه الأحداث عولمة المصطلحات السياسية، ودور الشبكات الاجتماعية كلغة سياسية جديدة تدعو إلى إسقاط الاستبداد والحرية والكرامة.

لقد كشفت هذه المرحلة عن هيمنة المعرفة المكتوبة باللغة الإنجليزية ودور الترجمة الإلكترونية، مع إبراز تمايز في مقاربات الباحثين للربيع العربي حتى داخل أوروبا، مما يؤكد أن عولمة المعرفة السياسية لا تلغي الخصوصيات المحلية. السياسة اليوم تُكتب بلغات متعددة، تتجاوز الحدود، وتكتسب معانٍ مخالفة لمعانيها الأصلية، وتنتقل عبر العالم لتصبح مراجع جامعية.

آفاق الترجمة في العالم العربي

ختامًا، سجل المودن “حركة رائدة في ترجمة المعارف الغربية في العقود الأخيرة إلى العربية”، بفضل مشاريع دول مشرقية كرائدة، مثل الإمارات وقطر ومصر. وقد تبين أن العقبات الرئيسية ليست لغوية بالأساس، بل تكمن في النقص العددي للمترجمين الأكفاء، وعدم التوافق على مقابلات المفاهيم والمصطلحات المترجمة. هذا يؤكد على أن الاستثمار في كوادر الترجمة وتوحيد الجهود الاصطلاحية هو مفتاح تعزيز المعرفة السياسية العربية.

للمزيد من التحليلات المعمقة والقضايا الراهنة، يمكنكم متابعة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، الذي يقدم تغطية شاملة ومحتوى متميزًا.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.