في قلب المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، حيث تتلاقى الرؤى السينمائية العالمية وتتجدد الحكايات من كل حدب وصوب، برز اسم المخرج الفلسطيني كمال الجعفري كصوت فني أصيل، ملتزم بتصوير الهشاشة الإنسانية ومقاومة النسيان عبر عدسته. مشاركته في الدورة الثانية والعشرين للمهرجان لاقت صدىً واسعًا وتفاعلاً مميزًا من الجمهور المغربي، الذي يكن شغفًا خاصًا للأعمال الفلسطينية. في حوار حصري، قدم الجعفري رؤيته العميقة حول وضع الفن السابع في فلسطين اليوم، مسلطًا الضوء بشكل خاص على تحديات السينما الفلسطينية المعاصرة ومسؤولية المخرج الفنية والإنسانية.
عبّر المخرج كمال الجعفري عن سعادته البالغة بوجوده في المغرب وحضوره للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، الذي يعتبره من أهم الملتقيات السينمائية العالمية. وقد أقيم العرض الأول لفيلمه الوثائقي “مع حسن في غزة” خلال فعاليات المهرجان، وشهد تفاعلاً كبيرًا من الشباب المغربي المهتم بالسينما، مما يعكس الشغف العميق الذي يحمله هذا الجمهور تجاه الفن السينمائي، خاصةً ما يأتي من فلسطين.
الفن السابع والجمهور المغربي: رابط إنساني عميق
يصف الجعفري لقاءه بالجمهور المغربي بأنه دائمًا مميز وفريد من نوعه، ويعود ذلك إلى الاهتمام الخاص والتعاطف الوجداني الذي يكنه المغاربة، وبالأخص الشباب، تجاه القضية الفلسطينية والأعمال الفنية التي تتناولها. هذا التواصل الإنساني يتجاوز مجرد المشاهدة، ليصبح جسرًا يربط بين الثقافات والقلوب، ويمنح الأعمال الفلسطينية قيمة إضافية وحضورًا استثنائيًا في المغرب، يختلف عن أي مكان آخر في العالم، حسب تعبيره.
تحديات السينما الفلسطينية المعاصرة: بين التحرر الفني وثقل القضية
أحد أبرز المحاور التي ناقشها الجعفري هي مسألة الضغط الذي يشعر به المخرج الفلسطيني لتقديم أفلام “ذات قضية”. يرى الجعفري أن المخرج الفلسطيني غالبًا ما يُتوقع منه أن يحمل “القضية” على عاتقه، وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا ومسؤولية ضخمة. ومع ذلك، يؤكد على الحاجة الماسة لأن يتحرر الفنان من هذا العبء لضمان حرية العمل الفني وفسح المجال للاهتمامات المتنوعة والمختلفة التي يمكن أن تتناولها أي أعمال سينمائية قادمة من فلسطين. تحرير المخرج الفلسطيني من ثقل “القضية” لا يعني التخلي عن جوهرها، بل تقديمها بأبعاد إنسانية وجمالية أوسع.
تطور الحضور السينمائي الفلسطيني عالميًا
شهدت السينما الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة حضورًا متزايدًا وملحوظًا في المهرجانات العالمية. يعزو الجعفري هذا التوسع إلى الاهتمام المتنامي بالقضية الفلسطينية وقضية غزة، مما دفع الكثير من الأعمال الروائية والوثائقية الفلسطينية للوصول إلى منصات عالمية مرموقة. يكاد لا يخلو مهرجان سينمائي دولي اليوم من عمل فني فلسطيني، وهو ما يعكس الحيوية والتأثير المتزايد لهذه السينما.
موازنة الجمالي والسياسي: عملية تفاوض مستمرة
عند سؤاله عن كيفية الموازنة بين الشكل الجمالي والحمولة السياسية في أفلامه، أكد الجعفري أن هذه ليست مهمة سهلة، بل هي “عملية تفاوض” مستمرة بين أهمية الموضوع الشائك والثقيل وبين الرغبة في التعبير السينمائي بحرية. يرى أن الجانبين يجب أن يكملا بعضهما البعض، فالجمال الفني يمكن أن يعمق الرسالة السياسية، والعمق السياسي يمكن أن يلهم أعمالاً فنية خالدة. هذه العلاقة المعقدة والمركبة هي ما يميز أعماله ويجعلها ذات صدى كبير.
نصائح للمخرجين الشباب ورسالة سينمائية
يقدم كمال الجعفري نصيحة ذهبية للمخرجين الشباب الذين يشقون طريقهم في المشهد السينمائي المتغير: “من المهم زيارة المهرجانات وحضور الأفلام والاهتمام بالتجارب السابقة لمخرجين عالميين، وأيضًا مخرجين مغاربة صنعوا أفلامًا مهمة على مر التاريخ السينمائي للمغرب.” هذه النصيحة تؤكد على أهمية التعلم من تجارب الآخرين والانفتاح على مختلف المدارس السينمائية.
وإذا طُلب منه اختصار رسالته السينمائية في جملة واحدة، يقول الجعفري: “هي الاهتمام بالآخر، الاهتمام بالناس؛ وبالأخص الاستماع لقصصهم.” هذه الجملة تلخص فلسفته الفنية والإنسانية، التي ترتكز على التعاطف والتوثيق الصادق لتجارب الأفراد.
في ختام حديثه، أعرب الجعفري عن سعادته العارمة بوجوده في المغرب، مؤكدًا أنه يشعر دائمًا بأن هذا البلد يرحب بالفلسطينيين ولديه اهتمام كبير وخاص نابع من القلب لأي موضوع قادم من فلسطين، وهو ما يسهم في تعزيز الروابط الثقافية والإنسانية بين الشعبين. للمزيد من التغطيات الحصرية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
إن تجربة كمال الجعفري وأفكاره تسلط الضوء على تحديات السينما الفلسطينية المعاصرة ليس فقط كصناعة فنية، بل كمرآة تعكس صراع الهوية والوجود في ظل ظروف استثنائية، مع إصرار على تقديم الفن رسالة عالمية تتجاوز الحدود.
التعليقات (0)
اترك تعليقك