عاجل

أنجيليكا نوسبرغ بالأكاديمية المغربية: رؤية استشرافية لأهمية العدالة في زمن النزاعات وما بعدها

أنجيليكا نوسبرغ بالأكاديمية المغربية: رؤية استشرافية لأهمية العدالة في زمن النزاعات وما بعدها

شهدت أكاديمية المملكة المغربية حدثاً بارزاً بتنصيب القاضية الأوروبية السابقة لحقوق الإنسان، الأكاديمية الألمانية أنجيليكا نوسبرغ، عضواً جديداً ضمن هيئتها الموقرة. في خطابها الافتتاحي، قدمت نوسبرغ رؤية عميقة ومتبصرة حول طبيعة القانون الدولي، مؤكدة على تحدياته وضرورته، لا سيما في سياق ما بعد النزاعات. لم تتردد القاضية في الإشارة إلى أن القانون الدولي قد لا يملك القدرة على إيقاف الحروب فوراً، مشددة على أن المحاكم قد تفقد قوتها أمام زحف الدبابات عبر الحدود، لكنها في الوقت ذاته دافعت بقوة عن أهمية العدالة في زمن النزاعات وما بعدها، ودور القانون الذي يصبح محورياً بمجرد خفوت طبول الحرب.

القانون الدولي: تحديات الواقع ودور المحاكم بعد انتهاء الصراعات

أوضحت أنجيليكا نوسبرغ أن أهمية القانون الدولي تتجلى حتى في وقتنا الحاضر، مستشهدة بالصراعات الراهنة كالحرب في أوكرانيا، والشكوى التي قدمتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل، والتي على الرغم من القرارات الصادرة، لم تنجح في وقف الأعمال العدائية. هذا الواقع المرير يعكس المفارقة بين الطموح القانوني والواقع السياسي المعقد. ومع ذلك، عادت نوسبرغ لتستقي الدروس من صفحات التاريخ، بدءاً من محاكمات نورمبرغ التي حاكمت قادة النازية، وصولاً إلى المحاكم الشعبية التي تعاملت مع جرائم الإبادة الجماعية في رواندا ويوغوسلافيا السابقة، لتؤكد أن دور العدالة لا يقتصر على منع النزاعات، بل يمتد إلى تشكيل مستقبل السلام والاستقرار.

أهمية العدالة في زمن النزاعات وما بعدها: دروس من التاريخ المعاصر

من واقع خبرتها العميقة في التعامل مع قضايا جرائم الحرب، أكدت القاضية نوسبرغ أن العدالة هي مكون أساسي في حصيلة الحروب، وأنها تحمل معانٍ كثيرة للضحايا. إنها وسيلة للاعتراف بمعاناتهم وبراءتهم، وتوفير التعويض لهم إن أمكن، والأهم من ذلك، مواجهة المعتدين. كما أنها تكتسب أهمية قصوى للدول والمجتمعات في ترسيخ مفهوم “من على حق ومن على خطأ”، وهو ما يشكل قاعدة لإعادة بناء الثقة والمصالحة. وشددت على أن المال، وإن كان جزءاً من التعويض، إلا أنه “مسألة ثانوية في العدالة، فلا مبلغ يعوض قتل قريبٍ”.

  • العدالة للضحايا: توفير الاعتراف بالمعاناة والبراءة، والتعويض، ومواجهة الجناة.
  • العدالة للدول: تأكيد المبادئ الأخلاقية والقانونية، وتحديد المسؤوليات التاريخية.
  • القيمة الرمزية: إظهار أن لا أحد فوق القانون، حتى في أحلك الظروف.

ما وراء التعويضات المادية: القيمة الرمزية للمحاكم

لفتت نوسبرغ الانتباه إلى الأهمية “الأيقونية” للمحكمة، قائلة: “لا ينبغي أن نقلل من الأهمية الأيقونية للمحكمة؛ لأنها تجعل القائمين بالجرم ضعفاء، وتجبرهم على الاستماع لضحاياهم”. إن المحاكمات تمنح الضحايا صوتاً وتسمح لهم بسرد قصصهم، مما يحد من قوة الجناة ويضعهم في مواجهة مباشرة مع عواقب أفعالهم. هذه المواجهة ليست مجرد إجراء قانوني، بل هي عملية علاجية ورمزية تساهم في استعادة كرامة المتضررين.

صياغة الذاكرة التاريخية وأثر العدالة على الأجيال القادمة

عضو أكاديمية المملكة المغربية واصلت شرحها مؤكدة أن محاكمة جرائم الحرب لا تخدم فقط أغراض العدالة المباشرة، بل تسهم أيضاً في “صياغة السردية التاريخية للمستقبل والشباب”. إنها توفر “مرجعا لرؤية الماضي” وتساعد على فهم أهمية المصطلحات القانونية مثل “الإبادة” و”الجريمة ضد الإنسانية” و”جريمة الحرب”. كما بينت أن “القتل ليس كله واحدا”، وأن القانون يميز بين درجات الجرائم ليضمن تطبيق العدالة بشكل دقيق وعادل. هذه السرديات التاريخية تشكل درعاً للمستقبل، وتذكر الأجيال القادمة بفظائع الماضي لمنع تكرارها.

العدالة غير المثالية: ضرورة حتمية لمواجهة الإفلات من العقاب

من بين النقاط المحورية التي نبهت إليها القاضية أن “زمن المحاكمة مسألة محورية”؛ فمهما كان الحكم النهائي، فإن “العدالة تُرى بأنها لم تتمّ إذا استمرت المحاكمة عقودا”. هذا التحدي يفرض ضرورة “تقريب الهوة بين القانون والعاطفة”، لضمان تحقيق العدالة في إطار زمني معقول يتيح للضحايا رؤية النتائج في حياتهم. اختتمت أنجيليكا نوسبرغ خطابها بتأكيد بالغ الأهمية: “حتى العدالة غير المثالية أحسن من عدم العدالة؛ لأن الإفلات من العقاب يدمر نسيج الإنسانية”. هذه المقولة تلخص جوهر رؤيتها، مشددة على أن وجود أي شكل من أشكال المساءلة، حتى لو كان فيه نقائص، أفضل بكثير من السماح للجناة بالإفلات من العقاب، الأمر الذي يقوض أسس المجتمعات ويشجع على تكرار الفظائع. للمزيد من المعلومات حول دور المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، يمكنكم زيارة الرابط. يمكنكم متابعة آخر الأخبار على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.