تعيش المخرجة المغربية المتألقة أسماء المدير مرحلة فارقة في مسيرتها الفنية، تتوجها إنجازات لافتة كان آخرها تكريمها في برنامج “ورشات أطلس”. هذا التتويج، الذي تصفه أسماء بأنه ذو قيمة مضاعفة هذه المرة، يضعها في قلب المشهد السينمائي الدولي، حيث تتفاعل مع نخبة من المنتجين والخبراء. وتأتي هذه اللحظات بالتزامن مع كشفها عن أبعاد إنسانية عميقة تكمن في صميم مشروع أسماء المدير الوثائقي عن أطفال القمر، الذي يُتوقع أن يلامس القلوب ويثير الوعي بقضايا حساسة.
استلهام الواقع: “أطفال القمر” في عدسة أسماء المدير
يتجسد محور اهتمام أسماء المدير في مشروعها الوثائقي الجديد حول فئة خاصة من الأطفال، يُعرفون بـ “أطفال القمر”. هؤلاء الأطفال يعيشون واقعاً مليئاً بالتحديات بسبب معاناتهم من حساسية مفرطة تجاه أشعة الشمس، ما يحد من حركتهم ويجبرهم على العيش في عالم يغلب عليه الظلام. منذ عام 2017، ترافق أسماء هذه الفئة، موثقةً رحلتهم الشجاعة والمثابرة نحو محاولة عيش حياة أقرب إلى الطبيعية. هي قصة بحث عن الأمل، عن طرق للحماية والتأقلم، وعن لحظات يكتشفون فيها معنى الحلم رغم القيود المفروضة عليهم. تسعى المدير، بالتعاون مع هؤلاء الأطفال وعائلاتهم، إلى “صناعة حلم مشترك” يتجاوز حدود الشاشة الفضية، ليرسم واقعاً يتيح لهم تجربة طفولة عادية قدر الإمكان، في محاولة فريدة لتوثيق جوانب حياتهم غير المرئية.
يُعرف مرض “أطفال القمر” طبياً باسم جفاف الجلد المصطبغ (Xeroderma Pigmentosum)، وهو اضطراب وراثي نادر يجعل الجلد شديد الحساسية لأشعة الشمس فوق البنفسجية، مما يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان الجلد ومشاكل في العين والجهاز العصبي. إن اختيار أسماء المدير لتسليط الضوء على هذه الفئة يعكس التزامها العميق بقضايا إنسانية جوهرية، ويؤكد على قدرة السينما الوثائقية على أن تكون مرآة تعكس واقعاً مجهولاً لكثيرين.
تحديات الإنتاج الوثائقي وصدق الرؤية الفنية
تؤكد أسماء المدير أن مشاركتها الأولى بعرض صور أولية من مشروعها الجديد أمام مهنيين دوليين لم تكن خالية من التوجس. ففي عالم السينما الاحترافي، “الرفض من محترفين” يحمل ثقلاً مختلفاً عن ملاحظات الجمهور العادي. مرت بلحظات عصيبة قبل العرض، غير أن ردود الفعل الإيجابية التي تلت العرض قلبت الموازين، حيث أصبح مشروعها حديث معظم الحاضرين، ما منحها دفعة قوية وطاقة متجددة للاستمرار في هذا المسار الشاق ولكن المجزي. هذا القبول من النخبة السينمائية يؤكد على الأصالة والجودة العالية التي تتميز بها رؤية المدير.
رغم الحماس الذي يحيط بالعمل، ترفض المخرجة المغربية الخوض في تفاصيل كثيرة في هذه المرحلة المبكرة. وتوضح أن الفيلم الوثائقي بطبيعته عمل “مفتوح”، يتشكل ويتطور مع مسار التصوير والمونتاج، وقد تتغير مساراته بفعل التطورات الحياتية غير المتوقعة. ترى أسماء أن “القدر” يلعب دوراً كبيراً في صياغة هذا النوع من الأفلام، وتفضل الاحتفاظ ببعض أسرار العمل إلى أن تكتمل الصورة النهائية، واعدة الجمهور بالكشف عن كل تفاصيل الرحلة الإنسانية عند خروج الفيلم إلى النور.
أسماء المدير: بين عبقرية التوثيق وسحر السرد الروائي
لا تتوقف طموحات أسماء المدير عند عالم الوثائقيات؛ فهي تحضر أيضاً لأول تجربة روائية طويلة لها، تحمل طابعاً كوميدياً. هذا الانتقال، الذي تراه طبيعياً في مسار مخرج شاب يبحث عن لغته الخاصة، يؤكد على مرونة رؤيتها الفنية. تؤمن المدير بأن السينما “فضاء واسع” يضم جميع الأجناس، من الوثائقي إلى الروائي، وأن ارتباطها بالواقع لا يمنعها من خوض تجارب سردية. بل إنها تستخدم في العمل الروائي الأساليب ذاتها التي تعتمدها في الوثائقي، إيماناً منها بأن التجارب الإنسانية الحقيقية هي التي تمنح أعمالها صدقية وتأثيراً أكبر على المشاهدين. هذا المنهج، الذي طبقته بنجاح في أفلام قصيرة سابقة، يقوم على قاعدة “واقعية” تترك للقصص أن تأتي إليها تلقائياً، بدل فرضها فرضاً.
هوية سينمائية متماسكة: ثبات المنهج وفريق العمل
تختتم أسماء المدير حديثها بتأكيد مبدأ راسخ لديها: “لا أغير فريقاً رابحاً”. تحافظ على أسلوب الإنتاج ذاته الذي اعتادت عليه منذ بداياتها، معتبرة أن الثقة المتبادلة بين أعضاء الفريق والعمل بتناسق وانسجام هما ما يضمن للمشروع أن يولد “بروح واحدة” ويصل إلى الجمهور بسلاسة وفعالية. ترى أن الاستمرارية في المنهج تمنحها القدرة على بناء هوية سينمائية متماسكة وقوية، من دون التخلي عن الجذور الواقعية التي تشكل أساس نظرتها للعالم وللفن. إن هذه الرؤية الفنية العميقة والالتزام الثابت بصدق التجربة الإنسانية يجعلان من أعمال أسماء المدير، خاصة مشروع أسماء المدير الوثائقي عن أطفال القمر، إضافة نوعية للسينما المغربية والعربية، ويضعانها في مصاف المخرجين الذين يتركون بصمة لا تمحى في المشهد الثقافي.
التعليقات (0)
اترك تعليقك