عاجل

مسرحية ‘لكل قبره’ لمحمد نبيل: تفكيك صراع الهوية في زمن المنفى

مسرحية ‘لكل قبره’ لمحمد نبيل: تفكيك صراع الهوية في زمن المنفى

في عرض فني استثنائي شهدته مدينة دوسلدورف الألمانية، قدم المخرج والكاتب محمد نبيل مسرحية ‘لكل قبره’، التي تجاوزت مجرد كونها عملًا فنيًا لترتقي إلى مستوى الأطروحة الفلسفية العميقة. لم تكن الأمسية مجرد تظاهرة مسرحية عابرة، بل كانت فرصة للجمهور العربي والألماني والمغربي للغوص في تجربة جمالية وفكرية نادرة، تتصدى لأسئلة الوجود الملحة والهوية المتمزقة في عصرنا. تتخذ مسرحية لكل قبره لمحمد نبيل ودلالات الهوية محورًا أساسيًا في تناولها، حيث يحوّل نبيل طقس الدفن من مجرد واقعة بيولوجية إلى مدخل لتفكيك بنية الذات الإنسانية وعلاقتها بالمكان والذاكرة والانتماء.

لقد عملت فرقة ENSEMBLE FLASCHENGEIST، بالتعاون مع محمد نبيل، لأكثر من عامين على تطوير هذا العمل، الذي يمثل نقطة تحول في فهمنا للمسرح المعاصر. لم يعد المسرح، في رؤية نبيل، فضاءً لتمثيل الأحداث، بل صار مختبرًا لاختبار الوجود نفسه، ومساحة للتفكير العميق في ما يحدث داخل الوعي البشري لا فوق الخشبة وحسب. هذا العمل المسرحي يعكس انشغالًا وجوديًا متأصلًا بسؤال المنفى والذاكرة، مستخدمًا الجسد والفضاء والصمت أدوات للتفكير لا مجرد عناصر للعرض، مما يجعله تجربة فريدة في الطرح والإخراج.

تحول القبر إلى استعارة أنطولوجية: مسرحية لكل قبره لمحمد نبيل

لا تتوقف مسرحية ‘لكل قبره’ عند حدود الدفن كطقس اجتماعي، بل تتجاوزه إلى تحويل القبر إلى استعارة أنطولوجية عليا. هنا، يصبح القبر نقطة تقاطع لأسئلة الأصل، والقطيعة، والمصير، ومعنى الاستقرار في عالم فقد الثبات. الإشكالية المركزية التي تنطلق منها قراءة هذا العمل تتمحور حول كيفية تحوّل الصراع حول جسد الميت إلى صراع وجودي حول معنى الهوية، وكيف يوظف نبيل عناصر المسرح لتحويل الموت من واقعة مادية إلى سؤال فلسفي مفتوح.

يتناول العمل ببراعة العلاقة بين الشخصيات والفضاء، ويستنطق الصمت والحركة ليخلق خطابًا غير لفظي يتجاوز الكلمات. تُبرز الرؤية الإخراجية لمحمد نبيل هذا العمل كبناء فكري لا مجرد تقنية عرض، حيث تتشابك محددات التحليل لترسم صورة معقدة للهوية المعاصرة.

فاطمة وأحلام: انقسام الهوية بين الحنين والقرار

  • فاطمة: لا تمثل مجرد الحنين النفسي، بل تجسد ميتافيزيقا الأصل؛ ترى المعنى كامنًا في العودة إلى نقطة البدء. الذاكرة لديها سلطة مطلقة، والماضي معيار أخلاقي للحاضر.
  • أحلام: تجسد إرادة وجودية واعية للقطيعة؛ لا تنفي الذاكرة، بل تجردها من سلطتها القاهرة. تختار التخلي عن جزء من ذاتها القديمة لضمان إمكانية الاستمرار والتجدد.

هذا الطباق الفلسفي الحاسم يشكل عصب الصراع في المسرحية. ليس الجدل حول مكان دفن الجسد، بل حول كيفية تعريف الذات بعد انهيار المرجع المكاني. إنه صراع بين هوية تُعاد من الخلف وذات تُصاغ من الأمام، يعكس أزمة الإنسان المعاصر في تحديد انتمائه.

الجثمان والصمت: مركز التأويل

يُعد الجثمان الشخصية الغائبة الحاضرة الأبرز في المسرحية. لا يتحدث، لكن كل الخطاب ينبع منه. يتحول من مادة بيولوجية إلى علامة رمزية جامعة، حيث:

  • تقرأ فيه فاطمة صورة العودة والتمسك بالجذور.
  • ترى فيه أحلام ضرورة القطيعة والمضي قدمًا.
  • يتعامل معه مولر كموضوع إداري بحت، مجرد ملف.

هنا، يتحول الجسد الميت إلى مرآة دلالية تكسر عليها تصورات الجميع، ويدور الصراع حول المعنى الذي سيدفن معه، لا حول الجسد ذاته.

شخصية مولر: العقل الأداتي في مواجهة المأساة

يمثل مولر تجسيدًا للعقل الإجرائي الحديث، الذي يجرد الموت من بعده الوجودي ويحوله إلى وظيفة بيروقراطية. إنه يرمز إلى النقلة المفجعة من الموت كلغز إلى الموت كملف. حضوره يكشف الانفصال الجذري بين الألم الإنساني والنظام البارد، حيث تتكشف مفارقة صارخة: كلما اشتد الوجع الإنساني، ازداد النظام برودة وتجردًا.

الروح والفضاء والإخراج: أدوات تفكير لا تقنيات عرض

تتجاوز الروح في هذا العمل كونها مجرد زينة بصرية. الغناء والرقص لا يؤديان وظيفة جمالية فقط، بل يعيدان تشفير الفقد والتمزق في جسد متحرك، لتصبح الروح لغة موازية للفكر، تعبر عن مستوى يفلت من منطق العقل الصراعي. الأزمة هنا لا تحل جدليًا، بل تعاش جسديًا.

أما الفضاء المسرحي، فهو ليس إطارًا بصريًا محايدًا، بل قفص أنطولوجي؛ معتم، بارد، ومنزوع الخصوصية. لا يحتضن الشخصيات، بل يضعها في مواجهة مباشرة مع هشاشتها وتبعثرها. الضوء القاسي والجدران الصامتة تجعل المكان خاليًا من أي انتماء، مؤكدة أن المنفى ليس خارجيًا فحسب، بل هو حالة داخلية من عدم التطابق الوجودي.

في الختام، يُعالج محمد نبيل الإخراج كبناء معرفي للأزمة الوجودية، لا مجرد تنظيم للحركة. كل عنصر في عرضه يخضع لمنطق السؤال العميق لا لمنطق الإبهار. الصمت يصبح أداة تفكيك، والحركة ترجمة للجروح الداخلية، والإيقاع ميزانًا لتصاعد القلق. الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب يسلط الضوء على هذه الأعمال التي لا تقدم إجابات جاهزة، بل تؤسس فضاءً دائمًا للتساؤل. مسرحية ‘لكل قبره’ لا تحسم الانتماء، بل تعريه في هشاشته، وتجعل من الموت لحظة انكشاف للهوية، لا خاتمة لها. إنها دعوة للتفكير في هشاشة المعنى في زمن بلا جذور ثابتة، حيث يتجاوز السؤال: ‘أين ندفن؟’ إلى ‘كيف نعيش بعد أن فقدت الهوية أرضها؟’.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.