يُعد المسرح مرآةً عاكسةً للمجتمعات، ومنبراً للتعبير عن قضاياها المعقدة وصراعاتها الدفينة. في هذا السياق، تعود فرقة المسرح الجامعي لتقدم عملاً مسرحياً جديداً يَعِدُ بأن يكون إضافة نوعية للمشهد الثقافي المغربي، ألا وهو مسرحية “المعمعة”. هذه المسرحية ليست مجرد عرض فني، بل هي مسرحية المعمعة تجسيد للصراعات الاجتماعية والنفسية التي يمر بها الفرد في المجتمع المعاصر، مُقدمةً بقالب يمزج بين التشويق، الرعب، والفكاهة السوداء.
“المعمعة”: حبكة تلامس الواقع وتُثير التفكير
تتمحور أحداث مسرحية “المعمعة” حول فتاة تجد نفسها مضطرة للجوء إلى شقة رجل غريب، هاربةً من مطاردة بعد ارتكابها لخطأ ما. يقرر الرجل إيواءها، لكن سرعان ما تتغير مجريات الأحداث دراماتيكياً بوصول من يبحث عنها، وتتفاقم الأزمة بدخول رجال الأمن إلى الشقة بشكل مفاجئ. يضطر الرجل لتوقيع تصريح ينفي فيه وجود أي فتاة، بينما تتابع البطلة كل ما يدور خلف الأبواب المغلقة، في مشهد يعكس التوتر والصراع الداخلي.
لا تتوقف الحبكة عند هذا الحد، فبعد خروج رجال الأمن، تتحول الأزمة النفسية للرجل إلى صراع داخلي عميق، يمر بمراحل من التوتر الشديد قبل أن يتحول تدريجياً إلى حالة من التفاهم والانسجام الإنساني مع الفتاة. تبرز لمحات من الحب وسط أجواء الخوف والاضطراب، مما يضفي بعداً إنسانياً فريداً على العلاقة. ولكن، تتصاعد المخاوف وتتضاعف مع عودة رجال الأمن للتفتيش، ما يحافظ على وتيرة عالية من التشويق والإثارة طوال العرض، ويجعل المشاهد في ترقب دائم لما سيحدث.
بُعد فني متكامل: إخراج، تمثيل، وسينوغرافيا
تتميز مسرحية “المعمعة” بكونها تجربة فنية متكاملة، تجمع بين الأداء المتميز والحبكة المشوقة وبين العناصر البصرية والسمعية التي تعزز التجربة المسرحية. من إخراج المبدع عبد اللطيف الدشراوي واقتباس عبد الهادي فريجة، يبرز العمل كنموذج للمسرح المعاصر الذي يلامس قضايا المجتمع بجرأة وعمق.
- التمثيل: يشارك في المسرحية وجوه فنية بارزة مثل جواد العلمي، سناء بحاج، وعبد الرحيم الغزواني، الذين يقدمون أداءً يمزج بين قوة التعبير وعمق الشخصيات، مما يجعل الجمهور يتفاعل مع كل لحظة على الخشبة.
- السينوغرافيا: يزين خشبة المسرح تصميم سينوغرافي بديع للفنان الحسين الهوفي، يلعب دوراً محورياً في خلق الأجواء المناسبة للأحداث. فـ السينوغرافيا هنا ليست مجرد ديكور، بل هي جزء لا يتجزأ من السرد البصري للعمل.
- الإضاءة والمؤثرات: تضفي إضاءة مصطفى بران بعداً بصرياً خاصاً، في حين ترافقها مؤثرات صوتية وموسيقية من إخراج خالف الإدريسي، لتكتمل لوحة فنية ساحرة تأسر الحواس وتعمق التجربة الشعورية للمتفرج.
“المعمعة”: رسالة المسرح في قلب المجتمع المغربي
يحمل عنوان المسرحية “المعمعة”، الذي يعني بالعامية المغربية “الاضطرابات والمشاكل الكبرى”، دلالة عميقة تعكس الرسالة الأساسية للعمل. إنه يعالج قضايا اجتماعية واقعية ضمن قالب فني متنوع، ويؤكد الدور الهام للمسرح المغربي المعاصر في طرح القضايا المجتمعية ومواكبة روح الشباب. فالمسرح اليوم لم يعد مجرد وسيلة للترفيه، بل هو منصة حقيقية للتعبير الفني والمساءلة الثقافية، تتيح للجمهور فرصة للتأمل والتفكير في الواقع من زوايا جديدة.
تجسد هذه العودة لفرقة المسرح الجامعي حرصها على تقديم عروض مسرحية حديثة تعكس قضايا المجتمع المغربي في قالب فني ممتع ومتنوع، يمزج بين التشويق والكوميديا والرسالة الإنسانية. إن مسرحية “المعمعة” هي دعوة للانغماس في تجربة فنية متكاملة، تُلامس الوجدان وتُثير العقل، وتؤكد على أن المسرح يبقى دائماً نافذةً على الروح الإنسانية وصراعاتها الأزلية.
للمزيد من الأخبار الفنية والثقافية، زوروا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك