في قلب جبال الأطلس، حيث تشتد قسوة البرد وتتضاعف تحديات العيش، يواصل إقليم أزيلال معركته ضد ظاهرة التسمم بأحادي أكسيد الكربون، المعروف بـ”القاتل الصامت”. ففي ظل الجهود المكثفة المبذولة، تشير المصادر الطبية المحلية إلى نجاح ملموس في تقليص مؤشر الوفيات بشكل لافت خلال الموسم الشتوي الجاري، مع طموح كبير لتحقيق “صفر وفاة” هذا العام. هذه النتائج الإيجابية لم تتحقق صدفة، بل جاءت تتويجاً لتنسيق محكم وبرامج وقائية مكثفة، لكن المطالبات تتصاعد بتبني حلول جذرية للتسمم بالغاز في أزيلال لضمان أمان مستدام لساكنة المناطق الجبلية.
تحديات البرد القارس وواقع التسمم بالغاز
يمثل الاستعمال غير الآمن لوسائل التدفئة التقليدية، كالحطب والفحم، في الأماكن المغلقة، السبب الرئيسي وراء حالات التسمم بأول أكسيد الكربون (أحادي أكسيد الكربون) في أزيلال. فمع الانخفاض الشديد في درجات الحرارة، الذي يصل أحياناً إلى ما دون الصفر، خاصة خلال أشهر ديسمبر ويناير وفبراير، يلجأ السكان إلى هذه الوسائل لتدفئة منازلهم، مما ينتج عنه غاز عديم اللون والرائحة قادر على التسبب في الوفاة بسرعة. وقد سجل المستشفى الإقليمي 48 حالة تسمم منذ بداية ديسمبر حتى يوم 30 منه، لكن أغلبها تماثل للشفاء وغادر المستشفى، بفضل سرعة التدخل الطبي.
جهود مكافحة “القاتل الصامت”: استجابة متعددة الأوجه
لمواجهة هذا التحدي، تعمل المديرية الإقليمية للصحة بتنسيق وثيق مع السلطات الترابية والمحلية. وقد شملت هذه الجهود عدة محاور:
- البروتوكول العلاجي والتنظيمي: يتم فرز الحالات بين بسيطة تعالج في المراكز الصحية المحلية، ومتوسطة وخطيرة تحال مباشرة إلى المستشفى الإقليمي بأزيلال لتلقي العلاج الضروري.
- التوعية المباشرة: يقوم فرق ميدانية بزيارات للمنازل في المناطق النائية والقمم الجبلية لتقديم التوعية المباشرة للعائلات حول مخاطر التدفئة غير الآمنة وضرورة التهوية. وقد لوحظ أن حالات التسمم لا تقتصر على القرويين فقط، بل تسجل أيضاً في صفوف متعلمين.
- التنسيق مع الصحة العسكرية: يبرز دور المستشفى الميداني العسكري المقام بتعليمات ملكية في أزيلال، حيث يتم التنسيق المستمر بين الصحة المدنية والعسكرية للتكفل بالمصابين، ضمن برنامج “رعاية” المخصص لمواجهة موجة البرد.
- برنامج “صفر وفاة”: هذا العام، تم وضع برنامج محدد بهدف طموح وهو الوصول إلى “صفر وفاة”، بعد أن كانت السنوات الماضية تشهد حالات وفاة كثيرة.
مطالبات بحلول جذرية للتسمم بالغاز في أزيلال: رؤية مستقبلية
رغم الجهود القائمة، يشدد الفاعلون المدنيون على أن التدابير الاستعجالية وحدها لا تكفي. السيد عمر أوزياد، فاعل مدني من جماعة تامدة نومرصيد، دعا إلى الانتقال نحو تبني حلول جذرية للتسمم بالغاز في أزيلال. هذه الحلول يجب أن تشمل:
1. بدائل تدفئة آمنة وفعالة:
- توفير أنظمة تدفئة تعتمد على الكهرباء أو الغاز بمعايير أمان دولية، مع دراسة مدى قدرة البنية التحتية الكهربائية على استيعاب هذا الطلب المتزايد.
- الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة مثل أجهزة الكشف عن أحادي أكسيد الكربون التي تصدر تنبيهاً عند ارتفاع مستوى الغاز.
2. تعزيز حملات التوعية:
- استغلال وسائل الإعلام الوطنية، مع التركيز بشكل خاص على الإعلام الأمازيغي الذي يتحدث لسان حال معظم سكان المناطق المعنية.
- تطوير رسائل توعوية مبتكرة عبر الهاتف أو الفيديو، توضح خطورة الغاز الصامت وكيفية الوقاية منه.
3. قوانين وبنية تحتية ملائمة:
- صياغة وتفعيل قوانين تراعي خصوصية المنطقة الجبلية (قانون الجبل)، لا سيما في مجال البناء.
- اعتماد تصاميم ومعايير بناء تتناسب مع المناخ البارد، وتضمن التهوية الكافية وتصريف الغازات الضارة.
- تبسيط وتكييف المساطر الإدارية لتلائم واقع سكان الجبال وتسهيل حصولهم على الدعم والحلول.
- وضع بروتوكولات خاصة بالتعامل مع الانخفاض الحاد في درجات الحرارة على المدى الطويل.
توصيات للوقاية وتعزيز الأمان
لضمان سلامة الأفراد والأسر في أزيلال والمناطق الجبلية المشابهة، تظل الوقاية هي حجر الزاوية. يجب على المواطنين والمقيمين الالتزام بالإرشادات التالية:
- التهوية الدورية: ضرورة تهوية المنازل بشكل منتظم، حتى في الأيام الباردة، بفتح النوافذ والأبواب لمدة قصيرة.
- تجنب التدفئة داخل الغرف المغلقة: عدم استخدام وسائل التدفئة التقليدية كالحطب والفحم داخل الغرف المغلقة دون تهوية كافية.
- فحص وصيانة الأجهزة: التأكد من سلامة وصيانة أجهزة التدفئة بانتظام.
- استعمال كاشفات الغاز: استخدام أجهزة الكشف عن أحادي أكسيد الكربون كإجراء وقائي إضافي.
- الوعي بالمخاطر: التعرف على أعراض التسمم بأحادي أكسيد الكربون والتعامل السريع معها.
إن تحقيق هدف “صفر وفاة” في أزيلال يتطلب تضافر جهود الجميع، من سلطات ومجتمع مدني ومواطنين، وتبني رؤية شاملة لا تكتفي بالتدابير الإسعافية، بل تمتد لتشمل الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب يسلط الضوء على هذه المبادرات الحيوية. فالوصول إلى حلول جذرية للتسمم بالغاز في أزيلال هو استثمار في حياة وسلامة ساكنة هذه المناطق الصامدة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك