مقدمة: تحديات الصمود التعليمي في مواجهة الأزمات
لطالما كانت المنظومات التعليمية حول العالم عرضة للتحديات، وتزداد هذه التحديات تعقيدًا في أوقات الأزمات المتتالية، سواء كانت طبيعية أو صحية أو اجتماعية. وفي هذا السياق، رصد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في المغرب مجموعة من الإشكالات التي تواجه صمود المنظومة التعليمية، مؤكدًا على ضرورة تعزيز مرونة القرار التربوي في الأزمات لضمان حق التلاميذ في الاستمرارية البيداغوجية وجودة التعلمات. يأتي هذا التأكيد في ظل تقرير مفصل أعدته المؤسسة الدستورية، يسلط الضوء على مكامن الضعف ويقدم خارطة طريق لبناء نظام تعليمي أكثر قدرة على التكيف.
أهمية اللامركزية في تعزيز مرونة القرار التربوي في الأزمات
خلال الندوة الصحفية التي قدم فيها التقرير، شدد أعضاء المجلس على أهمية نقل صلاحيات اتخاذ القرار التربوي إلى المستوى المحلي، أي على صعيد المؤسسات التعليمية نفسها. أوضح فؤاد شفيقي، الأمين العام للمجلس، أن القرار التربوي يجب أن يكون محليًا، خاصة في سياق الأزمات التي تتطلب استجابة سريعة ومباشرة. واستشهد شفيقي بحالة الفيضانات الأخيرة، حيث اتُخذ قرار إلحاق التلاميذ المتضررين بأقرب مدرسة من مراكز إيوائهم، متسائلاً عن مدى جاهزية هذه المدارس لاستقبالهم على المدى الطويل، وما إذا كانت تتوفر على الآليات الكفيلة بضمان اندماجهم السلس. هذا يؤكد الحاجة الملحة إلى أدوات عمل واضحة لمدير المؤسسة والمدرسين، مع توجيهات عليا قابلة للتكيف من المستويات الإقليمية والجهوية والوطنية.
كشف الهشاشات المؤسساتية وتحديات الاستمرارية
الدراسة التي أنجزتها اللجنة الدائمة للمناهج والبرامج والتكوينات داخل المجلس، كشفت عن مجموعة من النقاط الهشة المؤسساتية التي تعيق صمود المنظومة التعليمية المغربية. من أبرز هذه الهشاشات:
- مركزية القرار: التي تحد أحيانًا من سرعة الاستجابة الترابية وتعيق التكيف مع الظروف المحلية.
- ضعف التخطيط الميكروي: خاصة التخطيط الترابي الدقيق الذي يغيب في كثير من الأحيان.
- غياب أنظمة مسبقة ثابتة: لضمان الاستمرارية البيداغوجية في حال وقوع أزمة.
- محدودية توثيق التجارب السابقة: وعدم تحويلها إلى ذاكرة مؤسساتية يمكن الاستفادة منها في المستقبل.
هذه النقاط تسلط الضوء على الحاجة إلى إعادة التفكير في آليات الحكامة والتحضير المسبق للأزمات.
المرونة في المسؤولية وتفويض الصلاحيات
أكدت أمينة لمريني الوهابي، رئيسة اللجنة، على أن المسؤولية تتطلب ضوابط واضحة، لكن الضرورة قد تستدعي إدخال نوع من المرونة عليها في فترات معينة. وتساءلت عن الموانع التي تحول دون تفويض صلاحيات إضافية لمدير المؤسسة أو المديرية الإقليمية خلال الأزمات، مشددة على أن «في كل الأحوال يجب أن تكون هناك مرونة». ففي بعض الأحيان، تكون الظروف «حياة أو موت»، مما يستوجب اتخاذ القرار بشكل فوري دون انتظار ترخيص من مستويات أعلى. هذا يتطلب تحديدًا دقيقًا للأدوار والمسؤوليات، مع منح مرونة أكبر للفاعل المحلي القريب من الأزمة وإشكالياتها.
توصيات استراتيجية لبناء صمود تحويلي للمنظومة
قدمت الدراسة مجموعة من التوصيات العملية الرامية إلى تمكين المنظومة التربوية من العمل بتناسق وتماسك واستمرارية، تشمل رافعات نسقية عرضانية وأخرى حسب أبعاد الصمود:
على مستوى الحكامة الاستراتيجية:
- إعادة تفعيل وتعزيز هيئات قيادة وتتبع الإصلاح.
- توضيح الأدوار في وضعية الأزمات وضمان الاستمرارية المؤسساتية.
- توثيق وبناء الذاكرة التربوية عبر منهجية واضحة وإنشاء قاعدة بيانات وطنية لتبادل التجارب.
- تعزيز أنظمة المعلومات التعليمية الآنية وتحديد المدارس والتلاميذ الأكثر عرضة للمخاطر.
على المدى القصير (تفادي الفاقد التعليمي غير القابل للاستدراك):
- التركيز على التعلمات الأساسية وتعزيز الدعم النفسي والاجتماعي.
- تفعيل صيغ تعليمية هجينة وقارة في المناطق المعرضة للخطر.
على المدى المتوسط والطويل (بناء صمود تحويلي):
- إدماج مفهوم الصمود بشكل صريح ضمن الإطار المرجعي للمناهج.
- إرساء منظومة رقمية ومؤسساتية قوية ومستدامة للتعليم الهجين.
- إرساء تكوين مستدام للمدرسين لتمكينهم من أدوات التكيف.
كما أوصت الدراسة بتعبئة الجامعات ومراكز البحث العلمي لتقديم الخبرة والدعم اللازمين، مما يعكس نظرة شاملة ومتكاملة لمعالجة تحديات المنظومة. لمزيد من المعلومات حول مفهوم اللامركزية وأثرها على الإدارة، يمكنك زيارة ويكيبيديا.
خاتمة: نحو مستقبل تعليمي أكثر صمودًا ومرونة
إن التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية المغربية تتطلب استجابة سريعة ومدروسة، مبنية على رؤية استراتيجية واضحة. إن تعزيز مرونة القرار التربوي في الأزمات ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة ملحة لضمان استمرارية الحق في التعليم بجودة عالية، وحماية مستقبل الأجيال القادمة. بتطبيق هذه التوصيات، يمكن للمغرب أن يبني نظامًا تعليميًا قادرًا على التكيف مع مختلف المتغيرات، ويضمن لجميع أبنائه تعليمًا آمنًا ومستدامًا في كل الظروف. تابعوا آخر المستجدات والأخبار التربوية عبر الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك