في ظل طوفان المعلومات وسيطرة الخوارزميات، يبرز صوتٌ فكريٌّ مغربيٌّ جديد، يتحدى المسلمات ويطرح أسئلة جوهرية حول واقعنا الرقمي. إنه كتاب “مستعمرات الضوء: سؤال تشكيل الوعي في زمن الشبكات” للإعلامي والباحث مصطفى غلمان، الصادر حديثًا عن دار آفاق للدراسات والنشر والاتصال بمراكش. يمثل هذا العمل إضافة نوعية للمكتبة العربية، إذ يواصل غلمان مشروعه الفكري الذي بدأه بمؤلفه السابق “في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة”، ليغوص أعمق في مساءلة سوسيولوجيا الإعلام ولفهم عمق تحولات الوعي في زمن الشبكات الرقمية وتداعياتها المزلزلة على الفرد والمجتمع.
يأتي الكتاب في طبعته الأولى عام 2026، ليرسم خريطة معرفية جديدة تتقاطع فيها الفلسفة بالإعلام وعلم الاجتماع، في محاولة جريئة لتفكيك العلاقة المعقدة بين الإنسان والبيئة الرقمية، وتقديم رؤية نقدية لأثر الشاشات والوسائط المتزايد على الإدراك والسلوك.
‘مستعمرات الضوء’: تفكيك تحولات الوعي في زمن الشبكات
ينطلق غلمان من فرضية محورية تقلب المنظور التقليدي للإعلام رأسًا على عقب؛ فهو يرى أن الإعلام المعاصر لم يعد مجرد وسيلة لنقل الرسائل، بل تحول إلى فاعل مركزي يُعاد به تشكيل الوعي البشري وتوجيهه، مستفيدًا من التوسع الهائل للخوارزميات وهيمنة منطق الرقمنة. في هذا السياق، يطرح الكاتب أسئلة وجودية ملحة: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على ذاته وهويته في مواجهة الذوبان في معادلات التكنولوجيا الجارفة؟ وما هي السبل لاستعادة البعد الإنساني الأصيل في خضم ما يسميه بعبقرية “مستعمرات الضوء”، حيث تتداخل الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالاستهلاك؟
يقدم الكتاب، الذي يقع في 208 صفحات، إطارًا تحليليًا غنيًا لهذه التساؤلات، موزعًا على تسعة أبواب، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة، كل منها يمثل نافذة على زاوية مختلفة من زوايا هذا العالم الجديد.
محاور الكتاب الأساسية: من الاستعمار الرقمي إلى صناعة الحقيقة
يتناول مصطفى غلمان في كتابه باقة متنوعة من الموضوعات الحيوية التي تمس صميم واقعنا الرقمي، مقدمًا تحليلًا عميقًا وتفكيكًا نقديًا للعديد من الظواهر المعاصرة. ومن أبرز هذه المحاور:
- الاستعمار الرقمي: كيف تؤثر القوى التكنولوجية الكبرى في سيادتنا الثقافية والفكرية؟
- سيادة الخوارزميات: تحليل آليات عمل الخوارزميات وتأثيرها على اختياراتنا وقناعاتنا.
- الذات الشبكية: مفهوم الذات والهوية في عالم يفرض علينا وجودًا رقميًا موازيًا.
- سيكولوجيا الصورة: دراسة الأثر النفسي للصورة المتدفقة وطرائق تأثيرها على الإدراك.
- التفكك المعلوماتي: ظاهرة تشتت الانتباه وصعوبة بناء المعرفة المتماسكة في زمن الوفرة المعلوماتية.
- أنماط السلطة في الشبكات: كيف تتشكل السلطة وتمارس نفوذها في الفضاءات الرقمية الجديدة؟
- صناعة الحقيقة في الفضاء الرقمي: آليات بناء وتشويه الحقائق في بيئة تتسم بالسيولة والسرعة.
يستند غلمان في معالجاته إلى مرجعيات فكرية وفلسفية واسعة، تمتد من المفكر الفرنسي جان بودريار إلى الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا، ومن مفاهيم القيم النبوية الخالدة إلى استعارة “الزومبي الرقمي” الذي يصف به الإنسان الذي يستهلك المحتوى دون وعي أو تفكير نقدي، متحركًا ضمن إطار تفرضه عليه الشبكات.
رؤية نقدية لـ “مستعمرات الضوء”: دعوة للتأمل الإنساني
في مقدمة الكتاب، يؤكد غلمان أن الإعلام الرقمي تجاوز كونه مجرد تطوير للأدوات، ليصبح فضاءً يعيد تعريف شروط التفكير نفسه، ويغير طبيعة العلاقات بين الأفراد والمجتمعات، وبين المؤسسات والمستخدمين. هذا التحول العميق قد أحدث انزياحًا حادًا في مفهوم المجال العمومي، مما يستدعي وقفة تأمل نقدية.
وقد أشاد المفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان بالعمل، معتبرًا أن مصطفى غلمان يطرح أسئلة مركبة تنبع من عمق الفلسفة وتتجه نحو التفكيك والنقد، ضمن رؤية إنسانية شمولية تستمع بعناية لاهتزازات الوعي في زمن الشاشات المتلألئة. وصف شعبان لغة الكتاب بأنها تمزج بين خيال الروائي وصرامة الباحث وتكثيف الإعلامي، مما يضفي على العمل توازنًا فريدًا بين التحليل الأكاديمي الرصين والانشغال الوجداني العميق بمصير الإنسان.
يتميز “مستعمرات الضوء” بنزعته النقدية التي لا تسعى لتقديم إجابات جاهزة، بل تهدف إلى فتح آفاق للتفكير والمساءلة، في مواجهة طوفان الصورة وسطوة الوسائط الرقمية، وما تفرزه من تحديات جسيمة على مستويات الأخلاق والسيادة الثقافية والخصوصية البشرية. إنه دعوة لقراءة نقدية معمقة، تضع الإنسان في مواجهة حقائق عالمه الرقمي المتسارع، وتدفعه للتساؤل عن مكانه ودوره في خضم هذا التحول الكوني. اكتشف المزيد من المقالات والتحليلات العميقة على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك