عاجل

أوروبا تتأهب لمرحلة ترامب الثانية: تحليل لـ توتر العلاقات الأوروبية الأمريكية بعد قضية غرينلاند

أوروبا تتأهب لمرحلة ترامب الثانية: تحليل لـ توتر العلاقات الأوروبية الأمريكية بعد قضية غرينلاند

بعد التفاهم الهش حول قضية غرينلاند، والذي خفف حدة التوتر الظاهر مؤقتًا، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في مواجهة حتمية مع سؤال جوهري: كيف يمكن تفادي أزمة مقبلة مع رئيس أمريكي لا يمكن التنبؤ بتحركاته؟ إن الاجتماع الطارئ الذي عقده القادة الأوروبيون في بروكسل يعكس قلقًا عميقًا وتصميمًا على صياغة رسالة موحدة وحازمة. إن توتر العلاقات الأوروبية الأمريكية بعد قضية غرينلاند لم يكن مجرد حادث عابر، بل كشف عن مدى الهشاشة التي تعتري الشراكة التقليدية بين ضفتي الأطلسي، ودفع الأوروبيين نحو إعادة تقييم شاملة لاستراتيجياتهم.

لقد أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، رغم ترحيبه بالعودة إلى “وضع أكثر قبولًا”، عن ضرورة البقاء “متيقظين”، مطالبًا الولايات المتحدة بمعاملة أوروبا “باحترام”. هذا التصريح لا يمثل مجرد مطلب دبلوماسي، بل هو دعوة لترسيخ مبادئ الشراكة المتكافئة في ظل إدارة أمريكية أظهرت ميلًا للتعامل بفرض الأمر الواقع.

قضية غرينلاند: جرس إنذار لتوتر العلاقات الأوروبية الأمريكية

بدأت الدول الأعضاء السبع والعشرون في الاتحاد الأوروبي عامها الجديد في حالة من الصدمة، بعد أن لوح حليفها التاريخي باحتمال استخدام القوة للسيطرة على الإقليم الدنماركي ذي الحكم الذاتي. ورغم تراجع ترامب عن تهديداته بشأن غرينلاند وامتناعه عن فرض تعريفات جمركية جديدة بعد التوصل إلى “إطار عمل لاتفاق مستقبلي”، إلا أن هذا التراجع لم يمحُ القلق الأوروبي. لقد وصف دبلوماسي أوروبي الوضع بدقة بقوله: “ما زلنا على بُعد تغريدة واحدة من أزمة أخرى”، مما يؤكد أن الحلول المؤقتة لا تعالج جذور المشكلة.

تفاصيل الاتفاق بشأن غرينلاند ظلت غامضة، حتى رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، أعرب عن عدم معرفته التامة بما يتضمنه الاتفاق، مؤكداً أن سيادة غرينلاند ووحدة أراضيها “خط أحمر”. هذا الغموض يضيف طبقة أخرى من عدم اليقين إلى الأجواء الأوروبية.

استراتيجية الاتحاد الأوروبي: اليقظة، الوحدة، والقوة

بعد هذه التجربة، بات واضحًا أن الأوروبيين يدركون ضرورة تبني استراتيجية متعددة الأوجه لمواجهة تحديات المستقبل. من أبرز ملامح هذه الاستراتيجية:

  • الوحدة الأوروبية: التأكيد على رسالة موحدة وحازمة إلى واشنطن.
  • اليقظة المستمرة: عدم الركون إلى التراجعات المؤقتة والبقاء على أهبة الاستعداد لأي تحركات غير متوقعة.
  • الأدوات الاقتصادية: التلويح باستخدام الترسانة التجارية الأوروبية كـ”بازوكا” للدفاع عن المصالح، وهو ما يعتقد بعض المسؤولين الأوروبيين أنه لعب دورًا في دفع ترامب لتغيير موقفه.
  • تعزيز الدفاع الذاتي: على الرغم من اتفاق دول حلف شمال الأطلسي على وجود دائم للحلف في منطقة القطب الشمالي، إلا أن هناك حديثًا متزايدًا عن تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية المستقلة.

يعتقد المسؤولون الأوروبيون أن الموقف الحازم والوحدة الأوروبية، إلى جانب الضغوط السياسية الداخلية في الولايات المتحدة وردود فعل أسواق الأسهم، قد أسهمت في تعديل موقف ترامب. هذه التجربة، رغم مرارتها، قدمت “خبرة قيّمة حول كيفية التصرف بفعالية في مثل هذه المواقف”.

ترامب والمستقبل: هل انتهى خطر توتر العلاقات الأوروبية الأمريكية؟

التساؤل الأهم الذي يطرحه الأوروبيون هو ما إذا كان تراجع ترامب نهائيًا، وهل سيعاود إثارة قلقهم في ملفات أخرى مثل أوكرانيا، أو من خلال محاولاته إعادة تشكيل النظام الدولي عبر “مجلس السلام” الذي أعلن عن إنشائه. وقد أبدت الدول الـ 27 “شكوكًا جدية” حول هذا المجلس، خاصة توافقه مع الأمم المتحدة، مما يؤكد عدم الثقة في الرؤى الأمريكية الجديدة.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، من جانبه، انتقد الأوروبيين بشدة، واصفًا أوروبا بأنها “ضائعة” و”مجزأة” في مواجهة ترامب، بسبب نقص “الإرادة السياسية”. هذا النقد يبرز الحاجة الملحة لأوروبا لتعزيز تماسكها وفعاليتها في الساحة الدولية.

يؤكد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أن الاتحاد الأوروبي يمتلك “الأدوات اللازمة” للدفاع عن مصالحه وحماية نفسه من “أي شكل من أشكال الإكراه”، مشددًا على أنه سيفعل ذلك “متى اقتضت الحاجة”. هذه التصريحات تعكس وعيًا متزايدًا بضرورة الاعتماد على الذات في مواجهة سياسات القوى الكبرى.

آفاق مستقبلية: نحو استقلالية أوروبية أعمق

ما بعد أزمة غرينلاند، يتجه الاتحاد الأوروبي نحو تعزيز استقلاليته الاستراتيجية. هذا لا يعني بالضرورة قطع العلاقات مع الولايات المتحدة، بل إعادة تعريف طبيعة الشراكة بما يضمن مصالح أوروبا وسيادتها. سيشمل هذا المسعى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، وتعميق التكامل الاقتصادي، وتوحيد المواقف الدبلوماسية في القضايا العالمية.

إن قصة غرينلاند هي تذكير صارخ بأن العلاقات الدولية ديناميكية ومتغيرة. فـ غرينلاند، رغم بعدها الجغرافي، أصبحت نقطة محورية كشفت الكثير عن تحديات الشراكة الأطلسية في عصر جديد. لذا، فإن اليقظة الدائمة والاستعداد لأي مفاجآت هما السبيل الوحيد الذي يمكن لأوروبا أن تسلكه في هذه المرحلة المعقدة.

لمزيد من التحليلات المعمقة والأخبار العاجلة، يمكنكم متابعة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.