الاحتفاء بالمرأة: من الخطاب إلى الواقع
بينما يتأهب العالم للاحتفال بيوم المرأة العالمي في الثامن من مارس، ارتأت جمعية “أيادي حرة” أن يكون هذا اليوم وقفة تأمل حقيقية ومساءلة عميقة لوضعية النساء. فالاحتفاء بهن ليس مجرد تذكير بقوتهن الإنتاجية التي لا غنى عنها لتقدم أي مجتمع، بل هو دعوة ملحة لـتحسين أوضاع النساء في المغرب وجعل المساواة واقعًا ملموسًا، بعيدًا عن كونه مجرد نصوص قانونية على الورق.
لقد أكدت الجمعية، في بيانها المطول، أن المناسبة تأتي في سياق يفرض مواجهة صريحة ومسؤولة للواقع المعاش للنساء المغربيات. هذا التحدي يتجاوز الخطابات الاحتفالية المعتادة، ليطرح تساؤلات جدية حول مدى التقدم الفعلي المحرز في مسار المساواة والعدالة بين الجنسين.
فجوة بين التشريع والتطبيق: تحديات مستمرة
لا تزال الفجوة بين الإطار القانوني والتطبيق الفعلي واسعة بشكل مقلق. فالتحولات الاجتماعية والمؤسساتية لم تواكب بالقدر الكافي طموحات النساء نحو العدالة والمساواة. هذا التباين يظهر جليًا في استمرار معاناة قطاع كبير من النساء من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وضعف الحماية القانونية، وتعدد أشكال العنف الموجه ضدهن.
تُشير المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية بوضوح إلى أن النساء ما زلن الفئة الأكثر تضررًا من البطالة والهشاشة، إضافة إلى انتشارهن في قطاع العمل غير المهيكل. إن مشاركتهن في سوق الشغل تعد من الأضعف على المستوى الإقليمي، مما يحد من استقلاليتهن الاقتصادية وقدرتهن على تأمين حياة كريمة. كما تواجه العديد من النساء، خاصة بعد الطلاق، واقعًا قاسيًا يتسم بانعدام الاستقرار الاقتصادي وغياب الحماية الكافية لهن ولأبنائهن.
إلغاء صندوق التكافل الأسري: فراغ في شبكة الدعم
من بين النقاط التي انتقدتها جمعية “أيادي حرة” بشدة هو إلغاء صندوق التكافل الأسري، الذي كان يمثل آلية حماية اجتماعية بالغة الأهمية للنساء المطلقات وأطفالهن في حال تعذر تنفيذ النفقة. لقد أحدث هذا الإلغاء فراغًا كبيرًا في شبكة الدعم الاجتماعي، الأمر الذي زاد من هشاشة الأسر المعوزة التي كانت تعتمد على هذا الدعم المؤقت. ترى الجمعية أن غياب بديل فعال يُلزم الدولة بتحمل مسؤولية أكبر، وإلا فإن هذه الثغرات في الحماية الاجتماعية ستتحول إلى أزمة اجتماعية أعمق تؤثر بشكل مباشر على كرامة النساء.
تثمين العمل المنزلي: خطوة جوهرية نحو العدالة الاقتصادية
شددت الجمعية على أولوية التفاعل بجدية مع مطلب “تثمين العمل المنزلي”. هذا المطلب يعالج جانبًا جوهريًا من اقتصاد الرعاية الذي لا يتم احتسابه ضمن الحسابات الوطنية، على الرغم من قيمته الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة. تُشير البيانات إلى أن نسبة عدم نشاط النساء في سوق الشغل تصل إلى حوالي 73%، ومعظمهن يقمن بأعمال منزلية غير مدفوعة الأجر، مما يجعلهن خارج دائرة الاعتراف الاقتصادي والاجتماعي. إن الاعتراف بقيمة هذا العمل وتحويله إلى حقوق ملموسة هو مفتاح لتعزيز استقلالية النساء وتحقيق العدالة الاقتصادية لهن.
إصلاح شامل لمدونة الأسرة: الطريق لـتحسين أوضاع النساء في المغرب
في الختام، أكدت “أيادي حرة” أن الحركة النسائية لا تطالب بتعديلات شكلية على مدونة الأسرة، بل تسعى إلى إصلاح شامل وفاعل يعزز المساواة الفعلية ويحمي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للنساء. يتضمن ذلك مطالب أساسية مثل توزيع مسؤوليات الأسرة على أساس المساواة والعدالة بين الزوجين، وحماية الأطفال وضمان حقوقهم بشكل كامل في حالات انفصال الأبوين.
إن تخليد الثامن من مارس يجب أن يكون لحظة جريئة وواضحة لمساءلة السياسات العمومية. فالمجتمع الذي لا يزال فيه عدد كبير من النساء يعاني من الهشاشة الاقتصادية وضعف الحماية القانونية، لا يمكنه الادعاء بتحقيق العدالة الاجتماعية أو التنمية المستدامة. تتطلب هذه التحديات استراتيجيات متكاملة وإرادة سياسية حقيقية لضمان كرامة النساء ومشاركتهن الفعالة في بناء مجتمع عادل ومنصف. للمزيد من التقارير والتحليلات حول قضايا المرأة والمجتمع، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك