أثارت جريمة مقتل إمام مسجد في إقليم الدريوش على يد شخص يُشتبه في معاناته من اضطرابات نفسية ردود فعل غاضبة وموجة واسعة من الانتقادات في الأوساط المدنية بالمغرب. لم تكن هذه الحادثة مجرد واقعة فردية، بل شكلت صرخة مدوية كشفت عن الأبعاد الحقيقية والخطيرة لمشكلة متفاقمة طالما حذر منها الخبراء والفاعلون: إنها تجسيد صارخ لضعف العناية الصحية للمختلين عقليا بالمغرب، وفشل المنظومة في التعامل مع هذه الفئة الهشة، مما يحول قضاياهم من تحدٍ صحي إلى قنبلة مجتمعية موقوتة.
تداعيات كارثة الدريوش وتجاهل الصحة العقلية
لم يكد المجتمع المغربي يستوعب صدمة مقتل إمام مسجد في جماعة امهاجر أثناء أداء صلاة الفجر، حتى تحولت أصابع الاتهام نحو السياسات العمومية التي يُنظر إليها على أنها قاصرة في توفير الرعاية اللازمة للمصابين بالاضطرابات العقلية والنفسية. الفاعلون المدنيون يرون أن هذه الجريمة هي نتيجة طبيعية لتراكم الإهمال والتخبط في الملفات الحساسة المتعلقة بـ الصحة العقلية، والتي تتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على الحلول الترقيعية.
يشير عبد الكبير الجعفري، وهو فاعل مدني بارز، إلى أن الإشكال لا يكمن في غياب التوجيه الأولي للمرضى نحو المستشفيات، بل في قصور هذه المؤسسات عن تقديم رعاية حقيقية ومستدامة. فغالباً ما يتم “التكفل بالمعني لمدة وجيزة جداً ومنحه بعض المهدئات ليتم إخلاء سبيله”، وهو ما يحمل وزارة الصحة مسؤولية مباشرة في تدهور أوضاع هؤلاء المرضى، وفقاً لتصريحاته. يؤكد الجعفري أن هذا النهج لا يعالج المشكلة من جذورها، بل يرحلها ويؤجل انفجارها.
ضعف العناية الصحية للمختلين عقليا بالمغرب: إحصائيات صادمة وواقع مرير
التقارير الرسمية لا تدع مجالاً للشك في حجم الأزمة. فقد كشف المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره السنوي 2023-2024، عن “نقص حاد” في العرض الصحي المغربي بمجال الصحة العقلية. هذا النقص لا يقتصر على البنية التحتية فحسب، بل يمتد ليشمل الموارد البشرية المتخصصة. الأرقام كانت صادمة: الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الصحية النفسية لا تتجاوز 2466 سريراً لكل 100 ألف نسمة، وهو معدل ضعيف جداً مقارنة بالمعايير الدولية المعتمدة، مما يعكس ضعف العناية الصحية للمختلين عقليا بالمغرب بشكل جلي.
الفاعلون المدنيون يؤكدون أن هذا النقص يتجلى في عدة ممارسات خاطئة ومتكررة، أبرزها:
- سياسة الترحيل: محاولة التخلص من المرضى النفسيين والعقليين بنقلهم من مدينة إلى أخرى، وهي سياسة ترحيلية لا تعالج سوى الأعراض الظاهرية وتفاقم المشكلة الأصلية.
- الاستهتار بالسلامة العامة: عدم توفير الرعاية الكافية لهؤلاء المرضى يعني تركهم عرضة للتنمر أو ليكونوا سبباً في حوادث عنف، مما يشكل تهديداً لأمنهم وسلامة الساكنة المحيطة بهم.
- الخصاص في الأطر المتخصصة: المستشفيات المغربية تعاني من نقص واضح في الأطباء النفسيين والأطر التمريضية المتخصصة في الأمراض النفسية والعقلية، وهو ما يحد من قدرتها على تقديم علاج فعال.
مطالب مجتمعية ملحة لمواجهة الأزمة
يجمع الفاعلون المدنيون على أن معالجة هذه الأزمة تتطلب شجاعة سياسية وإرادة حقيقية من قبل الوزارة الوصية على قطاع الصحة والجماعات الترابية. ومن أبرز المطالب التي برزت على الساحة:
عبد الواحد زيات، فاعل مدني آخر، يشدد على أن “هذه ليست الحادثة الأولى من نوعها”، وأن الحل يكمن في “التحلي بالشجاعة والمسؤولية السياسية”. ويدعو إلى:
- زيادة الطاقة الاستيعابية: ضرورة الاستعجال بزيادة عدد الأسرة في المستشفيات العمومية المتخصصة في الطب النفسي.
- توفير الكوادر المؤهلة: الرفع من أعداد الأطباء والممرضين المختصين، والاستعانة بالطلبة الباحثين في علم النفس وعلم النفس الاجتماعي بسلكي الماستر والدكتوراه للمساهمة في العلاج والرعاية.
- قطع الطريق على الحلول الترقيعية: التوقف عن سياسة ترحيل المرضى والبدء في بناء استراتيجية وطنية شاملة ومتكاملة للتعامل مع ملف الصحة العقلية.
- التأكيد على دور القطاع الخاص: مع التأكيد على أن العلاج في المؤسسات الخاصة باهظ التكاليف، مما يجعلها بعيدة عن متناول الأسر الفقيرة، وبالتالي تبرز أهمية تعزيز الخدمات العمومية.
إن ما حدث في الدريوش هو ناقوس خطر يدعونا جميعاً، سلطات ومجتمعاً مدنياً، لإعادة النظر في مقاربتنا لقضية الصحة العقلية. إنها ليست مسؤولية وزارة واحدة، بل هي تحدٍ مجتمعي شامل يتطلب تعبئة كل الموارد وتضافر الجهود. يجب أن ندرك أن الاستثمار في الصحة العقلية هو استثمار في مستقبل مجتمع آمن ومستقر، وأن تجاهلها يعني ترك “قنبلة موقوتة” تهدد أمن واستقرار الجميع، وهو ما نسعى لتسليط الضوء عليه في الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك