كشف تقرير حديث للأمم المتحدة حول الشباب العالمي، تحت عنوان “أبرز معالم السكان في العالم 2026: الشباب”، عن تحول واضح في المسار الديموغرافي للمملكة المغربية. وأشار التقرير، الصادر عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة، إلى أن نسبة السكان الشباب في المغرب ستبدأ في التراجع بشكل ملحوظ خلال العقود الثلاثة المقبلة.
ويستند التقرير إلى تحليل للاتجاهات الديموغرافية الحالية والتوقعات المستقبلية، حيث يسلط الضوء على مرحلة انتقالية سيمر بها الهيكل العمري للسكان. وتظهر البيانات أن المغرب، شأنه شأن عدد من الدول، يشهد تحولاً ديموغرافياً يتمثل في انخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع متوسط العمر المتوقع، مما سيؤدي بالضرورة إلى تغيير في تركيبة السكان.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير الأممي، فإن نسبة الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً من إجمالي السكان ستشهد انخفاضاً مستمراً. ويعزى هذا التحول إلى عوامل ديموغرافية مترابطة، أبرزها استمرار انخفاض معدل المواليد الذي لوحظ على مدى السنوات الماضية، إلى جانب تحسن المؤشرات الصحية التي تطيل أمد الحياة.
ويمثل هذا التحول تحدياً وفرصة في آن واحد للسياسات الوطنية. فمن ناحية، يشير انخفاض نسبة الشباب إلى دخول مرحلة “الفرصة الديموغرافية”، حيث يكون عدد السكان في سن العمل أكبر نسبياً من عدد المعالين من الأطفال وكبار السن. وهذه الفترة، إذا أحسن استغلالها عبر سياسات استثمارية وتشغيلية مناسبة، يمكن أن تعزز النمو الاقتصادي.
ومن ناحية أخرى، يفرض هذا المنحى ضرورة إعادة توجيه السياسات الاجتماعية والاقتصادية على المدى المتوسط والبعيد. ويتوقع أن تتركز الأولويات المستقبلية أكثر على قضايا شيخوخة السكان، وأنظمة التقاعد، والرعاية الصحية الموجهة لفئة كبار السن، مع الاستمرار في الاستثمار في رأس المال البشري للشريحة الشبابية الحالية.
ويضع التقرير هذه التطورات في سياق عالمي أوسع، حيث تشهد العديد من الدول، خاصة في أوروبا وشرق آسيا، تراجعاً أكثر حدة في أعداد الشباب. بالمقابل، لا تزال بعض مناطق إفريقيا جنوب الصحراء تشهد نمواً سكانياً شاباً مرتفعاً. ويُظهر موقف المغرب كدولة تمر بمرحلة انتقالية متقدمة نسبياً في محيطها الإقليمي.
وتأتي هذه التوقعات الديموغرافية لتؤكد أهمية البيانات الإحصائية الدقيقة في التخطيط الاستراتيجي. حيث تعتمد الحكومات والهيئات الدولية على مثل هذه التقارير لوضع سياسات تستشرف المستقبل في مجالات التعليم، وسوق العمل، والتأمين الاجتماعي، والبنية التحتية الصحية.
ومن المتوقع أن تتابع الجهات المعنية في المغرب، وعلى رأسها المندوبية السامية للتخطيط، هذه المؤشرات عن كثب. كما ستعمل على تحديث توقعاتها الوطنية بناءً على المعطيات الجديدة، تمهيداً لمراجعة السياسات القطاعية لمواكبة هذا التحول الديموغرافي المتوقع والاستعداد لمرحلة التركيبة السكانية الجديدة التي ستهيمن عليها فئة الشريحة العمرية المنتجة وكبار السن بشكل أكبر.
التعليقات (0)
اترك تعليقك