شكل فيروس هانتا (Hantavirus) محوراً رئيسياً للنقاشات العلمية خلال فعاليات المؤتمر الوطني الرابع والعشرين للجمعية المغربية للطب المخبري وعلم الأحياء الدقيقة (SMALMI)، الذي انعقد في مدينة مراكش في الفترة من 15 إلى 17 يونيو 2024. وجاء التركيز على هذا الفيروس الناشئ بعد تزايد التحذيرات الصحية العالمية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية ومراكز السيطرة على الأمراض في عدة دول، لا سيما الأمريكتين وأوروبا، حيث تم تسجيل بؤر وبائية جديدة.
المؤتمر، الذي حضره أكثر من 800 خصصي في علم الفيروسات والأحياء الدقيقة والصحة العامة من المغرب والعالم العربي وأوروبا، خصص جلسة كاملة لعلم الأوبئة الجزيئي لفيروس هانتا وطرق تشخيصه المتطورة. وأكد المشاركون أن القارة الإفريقية، بما فيها دول شمال أفريقيا، تمثل منطقة معرضة لظهور سلالات جديدة من الفيروس بسبب تغير المناخ وتوسع رقعة القوارض الناقلة للمرض.
الدكتور محمد بناني، رئيس اللجنة العلمية للمؤتمر، أوضح في تصريح لموقع "الجريدة.نت" أن الفيروس ينتقل إلى الإنسان بشكل رئيسي عبر استنشاق الجسيمات الملوثة ببول أو فضلات الفئران البرية، خاصة فأر الغزال (Peromyscus maniculatus). وأضاف أن الأعراض الأولية قد تشبه الإنفلونزا، لكنها قد تتطور سريعاً إلى متلازمة رئوية حادة تهدد الحياة، ما يستوجب رفع اليقظة المخبرية في المستشفيات المغربية والعربية.
الدراسات التي تم عرضها في المؤتمر كشفت أن معدل الوفيات الناتج عن المتلازمة الرئوية بفيروس هانتا يتراوح بين 36 و40 بالمائة في بعض المناطق، وهو ما يجعله من أكثر الأمراض الفيروسية فتكاً. ولا يوجد حتى الآن علاج محدد معتمد تجارياً ضد الفيروس، غير أن الرعاية الداعمة المبكرة في وحدات العناية المركزة تحسن بشكل كبير فرص النجاة.
من جهته، استعرض الدكتور كريم الطالبي، أستاذ علم الفيروسات بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أحدث التقنيات المستخدمة في التشخيص المخبري، ومنها تقنية تفاعل البوليمراز المتسلسل ذي المرحلة الواحدة (RT-PCR) والفحوصات المصلية عالية الحساسية. وأشار إلى أن هذه التقنيات تسمح بالكشف المبكر عن الفيروس خلال 48 ساعة من ظهور الأعراض، مما يتيح للفرق الطبية التدخل السريع لتقليل المضاعفات.
الخبراء المجتمعون أوصوا في ختام المؤتمر بإنشاء شبكة مراقبة وبائية إقليمية في شمال أفريقيا والدول العربية، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، لرصد تحورات الفيروس وتوزيعه الجغرافي. كما دعوا إلى تخصيص ميزانيات بحثية لدراسة دور القوارض المحلية كخزانات طبيعية للفيروس، خاصة في المناطق الزراعية والغابوية بالمغرب.
مصادر مقربة من وزارة الصحة المغربية أكدت أن لجنة علمية ستتشكل خلال الأسابيع المقبلة لوضع إطار وطني للاستجابة لتفشي محتمل لفيروس هانتا، يشمل خوارزميات تشخيصية محدثة ودليلاً علاجياً موحداً للمستشفيات الجامعية والجهوية. ومن المتوقع أن يتم نشر التوصيات النهائية للمؤتمر في مجلة علمية محكمة خلال الربع الثالث من العام الجاري، لتعميم الفائدة على الباحثين والأطباء في المنطقة العربية.
التعليقات (0)
اترك تعليقك