عاجل

الصلب الأخضر في المغرب: دراسة جديدة تكشف إمكانيات الهيدروجين في جرف لصفر

الصلب الأخضر في المغرب: دراسة جديدة تكشف إمكانيات الهيدروجين في جرف لصفر

في خطوة استراتيجية تهدف إلى رسم ملامح مستقبل الصناعة المغربية، كشفت دراسة تقنية حديثة أجرتها منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) بالتعاون مع صندوق المناخ الأخضر، عن إمكانيات واعدة لإنتاج الصلب الأخضر في المغرب بالهيدروجين، وذلك لأول مرة في المملكة. الدراسة التي ركزت على موقع جرف لصفر الصناعي، قدمت تحليلاً شاملاً لمشروع طموح يهدف إلى استخدام الهيدروجين الأخضر في عملية اختزال خام الحديد، مما قد يحدث ثورة في قطاع الصلب المغربي ويقلل اعتماده على الخردة المستوردة.

لماذا يعتبر مشروع الصلب الأخضر في المغرب خطوة ضرورية؟

تواجه صناعة الصلب المغربية، التي تعد ركيزة أساسية للبنية التحتية والقطاعات التصنيعية سريعة النمو، تحدياً هيكلياً يتمثل في نقص الخردة عالية الجودة. يعتمد المنتجون المغاربة بشكل كبير على الخردة المستوردة من أوروبا والولايات المتحدة، حيث تشكل هذه الواردات أكثر من ثلثي احتياجاتهم. ومع تشديد الأسواق العالمية لسياساتها البيئية وتحول مصانع الصلب الأوروبية نحو الأفران الكهربائية، يزداد الضغط على توافر الخردة عالية الجودة، مما يجعل البحث عن بدائل محلية أمراً حتمياً.

هنا يأتي دور الهيدروجين الأخضر، الذي يمكن إنتاجه محلياً باستخدام موارد المغرب الوفيرة من الشمس والرياح. الدراسة التي أعدتها اليونيدو تقترح إنشاء وحدة لاختزال الحديد المباشر باستخدام الهيدروجين (H₂-DRI) في موقع جرف لصفر، وهو ما قد يوفر بديلاً نظيفاً ومستداماً للخردة المستوردة، ويعزز الأمن الصناعي للمملكة.

موقع جرف لصفر: الخيار الأمثل لمشروع الصلب الأخضر

بعد مقارنة دقيقة بين عدة مناطق صناعية في المغرب، بما في ذلك الدار البيضاء والناظور وجرف لصفر، وقع الاختيار على هذا الأخير لعدة أسباب استراتيجية. يتمتع الموقع بميناء للمياه العميقة يسهل استيراد خام الحديد وتصدير المنتجات النهائية، بالإضافة إلى اتصال مباشر بالشبكة الكهربائية ذات الجهد العالي، وإمكانية الوصول غير المحدود لمياه البحر لتحلية المياه والتبريد الصناعي. كما أن وجود شركة “سوناسيد”، وهي منتج صلب رائد في المغرب، في الموقع، مع قدرتها الإنتاجية البالغة 800 ألف طن سنوياً، يجعلها شريكاً صناعياً مثالياً للمشروع.

التقنيات المستخدمة في إنتاج الصلب الأخضر

تستعرض الدراسة تقنيتين رئيسيتين لاختزال الحديد بالهيدروجين. الأولى هي فرن العمود الرأسي، وهي تقنية ناضجة تجارياً وتستخدم في مصانع كبيرة بطاقة إنتاجية تتراوح بين 1 و2 مليون طن سنوياً، وتتطلب كريات خام حديد عالية الجودة. أما الثانية فهي فرن دوار يعمل بالكهرباء، وهي تقنية أحدث وأقل نضجاً، لكنها توفر مرونة أكبر في الحجم وتكاليف استثمار أقل، ويمكنها استخدام غرامات خام الحديد الأقل تكلفة.

بالنسبة لمشروع جرف لصفر، ركزت الدراسة على فرن العمود الرأسي نظراً لنضجه التجاري، مع الإشارة إلى أن الفرن الدوار قد يكون خياراً تكميلياً في المستقبل نظراً لتكاليفه الأقل. وقد تم تصميم وحدة الاختزال بطاقة إنتاجية تبلغ 800 ألف طن سنوياً، لتتناسب تماماً مع قدرة الفرن الكهربائي الحالي في سوناسيد.

الاحتياجات من الطاقة والمياه والهيدروجين

تتطلب عملية إنتاج الصلب الأخضر في المغرب كميات كبيرة من الهيدروجين والطاقة والمياه. وفقاً للدراسة، فإن إنتاج 800 ألف طن من الحديد المختزل سنوياً يحتاج إلى حوالي 42 ألف طن من الهيدروجين، وهو ما يتطلب تركيب محلل كهربائي بقدرة 250 ميغاواط. كما يحتاج المشروع إلى 2,631 جيغاواط ساعة من الطاقة سنوياً، مما يستلزم إنشاء قدرات متجددة تبلغ 1,150 ميغاواط، موزعة بين 638 ميغاواط من طاقة الرياح و513 ميغاواط من الطاقة الشمسية.

وفيما يتعلق بالمياه، ونظراً لوضع المغرب المائي، تمت دراسة إنشاء وحدة لتحلية مياه البحر، إما بالاعتماد على وحدة التحلية المجاورة لمجمع OCP أو إنشاء وحدة مستقلة. كما تبحث الدراسة في إمكانية إعادة استخدام المياه الناتجة عن عملية الاختزال كغذاء للمحلل الكهربائي، والاستفادة من الحرارة المهدرة من المحللات لتحسين كفاءة التحلية.

التكلفة والجدوى الاقتصادية لمشروع الصلب الأخضر

تقدر التكلفة الاستثمارية الإجمالية للمشروع بحوالي 2.47 مليار دولار، وهو مبلغ كبير يعكس الطبيعة الرأسمالية لهذه الصناعة. ونتيجة لذلك، فإن تكلفة إنتاج طن الصلب الأخضر تبلغ حوالي 861 يورو، وهي أعلى من تكلفة الصلب التقليدي المنتج من الخردة. هذا يعني أن الصلب الأخضر المغربي لن يكون قادراً على المنافسة في السوق المحلية في الوقت الحالي، وسيحتاج إلى استهداف الأسواق الأوروبية حيث توجد آليات لتسعير الكربون.

وتشير الدراسة إلى أن المشروع سيصبح مجدياً تجارياً عندما يصل سعر الكربون إلى 137 يورو للطن، وهو مستوى قد يتحقق في المستقبل القريب مع تشديد السياسات المناخية. كما أن انخفاض تكاليف المعدات المتجددة والمحللات الكهربائية بنسبة 15-20% يمكن أن يخفض تكلفة الإنتاج بنسبة 5-7%.

الفوائد البيئية وتحديات التنظيم

من الناحية البيئية، أظهرت الدراسة أن استخدام الكهرباء المتجددة في الفرن الكهربائي الحالي يمكن أن يقلل الانبعاثات بنسبة 42%، بينما يؤدي المشروع المقترح إلى خفض الانبعاثات بنسبة 20% مقارنة بالطريقة الحالية، وبنسبة تصل إلى 80% مقارنة بالمتوسط العالمي لصناعة الصلب التقليدية. ومع ذلك، تواجه المشروع تحديات تنظيمية، بما في ذلك غياب إطار ترخيص محدد للهيدروجين، وعدم اكتمال دراسات الأثر البيئي، وغياب آليات لاعتماد الهيدروجين بما يتوافق مع المعايير الأوروبية.

خارطة طريق للمستقبل

تختتم الدراسة بتوصيات عملية لتطوير قطاع الصلب الأخضر في المغرب، من بينها:

  • إجراء تجارب لاستبدال الخردة بالحديد المختزل الساخن (HBI) في الفرن الكهربائي الحالي لتقييم الأداء.
  • إنشاء وحدة تجريبية باستخدام تقنية الفرن الدوار كخطوة أولى أقل تكلفة.
  • تحليل اتجاهات سوق الخردة العالمية، خاصة الأوروبية، لتحديد الفرص المستقبلية.
  • دمج معايير إنتاج الهيدروجين النظيف في التصميم، تحسباً لمتطلبات السوق الأوروبية.
  • إجراء دراسة تحسين متكاملة للبنية التحتية للطاقة، بما في ذلك التخزين.

بهذه الخطوات، يمكن للمغرب أن يحول التحديات إلى فرص، ويصبح رائداً في إنتاج الصلب الأخضر في المغرب بالهيدروجين، مما يعزز مكانته كمركز صناعي مستدام في المنطقة. لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، يمكنكم زيارة صفحة الهيدروجين الأخضر على ويكيبيديا. وتابعوا آخر المستجدات على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.