تتجه الأنظار نحو نواكشوط مع اقتراب نهاية ولاية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، حيث تتصاعد التساؤلات حول مستقبل موريتانيا بعد الغزواني، في ظل جدل متزايد حول إمكانية التمديد لولاية ثالثة، وترقب لموقف البلاد من قضية الصحراء المغربية. هذه القضايا المتشابكة تضع البلاد أمام مفترق طرق حاسم، قد يعيد تشكيل خريطة التوازنات السياسية والإقليمية في المنطقة.
الجدل حول المأمورية الثالثة: اختبار للدستور والتداول السلمي
لم يعلن الرئيس الغزواني رسمياً عن نيته الترشح لولاية ثالثة، لكن استمرار الحديث عن هذا الاحتمال يعكس حالة من الترقب وعدم اليقين في الساحة السياسية الموريتانية. فبينما تروج بعض الأوساط المؤيدة لفكرة التمديد، يرى آخرون أن ذلك قد يشكل خرقاً للدستور الذي يحدد مأموريتين فقط، مما يضع مبدأ التداول السلمي على السلطة على المحك. هذا الجدل ليس مجرد نقاش أكاديمي، بل له تداعيات مباشرة على استقرار البلاد، إذ أن غياب مرشح واضح للخلافة داخل معسكر الأغلبية يزيد من حالة الضبابية ويصعب تحديد ملامح المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، يبرز اسم وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين ولد لحويرثي كأحد الأسماء المرشحة بقوة لخلافة الغزواني، نظراً لقربه من الرئيس وثقته به. لكن يبقى السؤال الأهم: هل سيسمح الغزواني بانتقال سياسي سلس يحافظ على استمرارية التوجهات العامة، أم ستبقى الباب مفتوحاً لتأويلات مختلفة حول مستقبل السلطة؟ هذه المعضلة تجعل من ملف المأمورية الثالثة اختباراً حقيقياً لمدى التزام النخبة الحاكمة بالقواعد الدستورية واحترام إرادة الشعب.
ملف الصحراء المغربية: من الحياد الإيجابي إلى موقف أكثر وضوحاً؟
إلى جانب الجدل الداخلي، يشكل ملف الصحراء المغربية أحد الملفات الحساسة التي قد تحدد إرث الغزواني السياسي. فقد اتبعت موريتانيا خلال ولايتي الغزواني سياسة “الحياد الإيجابي” تجاه النزاع، محاولةً الحفاظ على توازن دقيق بين المغرب والجزائر، دون الانخراط المباشر في الاصطفاف الإقليمي. لكن التحولات الأخيرة على الساحة الدولية، وخاصة القرار الأممي رقم 2797 الذي أضفى شرعية على مقترح الحكم الذاتي المغربي، تضع نواكشوط أمام ضغوط متزايدة لإعادة النظر في موقفها.
ويرى محللون أن استمرار موريتانيا في سياسة الحياد أصبح غير قابل للاستمرار في ظل الدينامية الدولية الجديدة، التي تتجه نحو دعم الحل السياسي الواقعي الذي تقدمه الرباط. فالقرب الجغرافي والتشابك الاقتصادي والأمني بين البلدين يجعلان من تعزيز التقارب مع المغرب خياراً استراتيجياً لا مفر منه، خاصة مع تزايد حضور المغرب في محيطه الإفريقي والدولي. لكن هذا التقارب المحتمل قد يأتي بتكلفة، إذ قد تفسره الجزائر على أنه تراجع عن الحياد، مما قد يزيد من التوتر الإقليمي.
الرهانات الإقليمية والدولية: ما الذي ينتظر موريتانيا بعد الغزواني؟
تجد موريتانيا نفسها في موقع بالغ الحساسية بين قوتين إقليميتين متنافستين، المغرب والجزائر. فبينما تسعى الرباط إلى تعزيز شراكتها مع نواكشوط كبوابة نحو غرب إفريقيا، تحاول الجزائر الحفاظ على نفوذها في المنطقة عبر دعم جبهة البوليساريو. هذا الواقع يجعل من مستقبل موريتانيا بعد الغزواني مسألة تتجاوز حدودها الوطنية، لترتبط بتوازنات إقليمية أوسع.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير الموريتاني حسنا انداح الكيحل أن “موريتانيا تقف أمام مفترق طرق يجمع بين استحقاق داخلي يتمثل في ضمان انتقال سياسي، واستحقاق إقليمي يرتبط بموقعها من التحولات المتسارعة في قضية الصحراء”. ويضيف أن “مصلحة نواكشوط تقتضي الانخراط في المسار الأممي الداعي إلى حل واقعي وقابل للتنفيذ، وتعزيز شراكتها مع المغرب باعتباره جاراً استراتيجياً وبوابة أساسية نحو المجال الأطلسي والإفريقي”.
من جهته، يشير الصحافي الموريتاني الشيخ أحمد أمين إلى أن “التحول المطلوب قد لا يكون انقلاباً في السياسة الموريتانية، وإنما إعادة ضبط هادئة للحياد، من خلال الحفاظ على التواصل مع الجزائر، وتجنب الاصطفاف المباشر، مع الاقتراب تدريجياً من الموقف المغربي بشأن طبيعة الحل”. ويؤكد أن “نهاية عهد ولد الشيخ الغزواني تصبح لحظة سياسية مهمة، فإذا كان ملف المأمورية الثالثة يختبر مستقبل السلطة في الداخل، فإن ملف الصحراء قد يختبر إرث موريتانيا الإقليمي في عهده”.
سيناريوهات ما بعد الغزواني: بين الاستمرارية والتغيير
يمكن تصور عدة سيناريوهات لمستقبل موريتانيا بعد الغزواني، تتراوح بين الاستمرارية الكاملة في السياسات الحالية، وبين تحولات جوهرية في الموقف من القضايا الإقليمية. ففي السيناريو الأول، قد يختار الغزواني تسليم السلطة لشخصية موثوقة تحافظ على نهجه القائم على الحياد الإيجابي، مما يضمن استقراراً نسبياً في العلاقات مع جميع الأطراف. أما في السيناريو الثاني، فقد يقرر الغزواني قبل مغادرته اتخاذ خطوة دبلوماسية جريئة بدعم مقترح الحكم الذاتي المغربي، مما قد يغير قواعد اللعبة في المنطقة بشكل كبير.
لكن يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو السيناريو الوسطي، الذي يجمع بين الحفاظ على العلاقات مع الجزائر، والاقتراب التدريجي من الموقف المغربي، دون إعلان صريح قد يزعزع التوازنات الإقليمية. هذا النهج الهادئ قد يسمح لموريتانيا بجني فوائد التعاون مع المغرب، مع تجنب ردود الفعل السلبية من الجزائر، لكنه في نفس الوقت قد لا يرضي أي طرف بشكل كامل.
الخلاصة: إرث الغزواني بين الداخل والخارج
في النهاية، يبدو أن مستقبل موريتانيا بعد الغزواني سيتحدد من خلال تفاعل معقد بين العوامل الداخلية والخارجية. فمن ناحية، سيلعب الجدل حول المأمورية الثالثة دوراً حاسماً في تحديد طبيعة الانتقال السياسي، سواء كان سلمياً أو متعثراً. ومن ناحية أخرى، سيكون موقف نواكشوط من قضية الصحراء المغربية مؤشراً على اتجاهاتها الإقليمية الجديدة، وعلى مدى استعدادها للتكيف مع المتغيرات الدولية.
ويبقى السؤال الأهم الذي يطرحه المحللون: هل سيترك الغزواني وراءه موريتانيا كما وجدها في ملف الصحراء، أم سيتركها أقرب خطوة إلى المغرب؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط شكل موريتانيا في مرحلة ما بعد الغزواني، بل أيضاً موقعها في التوازن المتغير بين الرباط والجزائر، وفي المنطقة ككل. ومع اقتراب نهاية ولايته، تترقب الأوساط السياسية والإقليمية باهتمام كبير ما ستسفر عنه الأشهر الأخيرة من حكمه، وما إذا كان سيختار تثبيت سياسة الحياد أم ترك بصمة دبلوماسية أكثر وضوحاً.
لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، يمكنكم الاطلاع على مقالة ويكيبيديا حول الصحراء المغربية، أو زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب لمتابعة آخر التطورات.
التعليقات (0)
اترك تعليقك