عاجل

طاقة الرياح البحرية في المغرب: آفاق واعدة لإضاءة قرى الصيادين

طاقة الرياح البحرية في المغرب: آفاق واعدة لإضاءة قرى الصيادين

في خضم التحول العالمي نحو الطاقات المتجددة، تبرز طاقة الرياح البحرية في المغرب كخيار استراتيجي واعد، لا سيما في المناطق الساحلية التي تعاني من نقص في الخدمات الأساسية. فالمملكة، التي تمتلك سواحل طويلة على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، تتوفر على إمكانات طبيعية هائلة يمكن استغلالها لتوفير الكهرباء النظيفة للقرى النائية، خاصة تلك التي يعتمد سكانها على الصيد التقليدي.

دراسة علمية تكشف الإمكانات الحقيقية لطاقة الرياح البحرية في المغرب

كشفت دراسة حديثة نشرت في مجلة “Energy Reports” العلمية، أعدها باحثون من كلية العلوم عين الشق بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، عن نتائج مثيرة للاهتمام حول قدرة توربينات الرياح البحرية على تغذية قرى الصيادين بالكهرباء. فقد أظهرت الدراسة أن توربينًا واحدًا بقدرة 300 كيلوواط، إذا ما تم تركيبه قبالة سواحل الداخلة، يمكن أن ينتج حوالي 1,183 ميغاواط/ساعة سنويًا، وهو ما يكفي لتلبية احتياجات ما بين عشرة إلى اثني عشر قرية صيد.

ولم تقتصر الدراسة على الداخلة فقط، بل شملت مواقع أخرى على طول الساحل الأطلسي، حيث أشارت النتائج إلى أن نفس التوربين في طرفاية يمكن أن ينتج 1,104 ميغاواط/ساعة، وهو ما يغطي احتياجات إحدى عشرة قرية، بينما في الصويرة يصل الإنتاج إلى 998 ميغاواط/ساعة لتسع أو عشر قرى، وفي طنجة يبلغ 841 ميغاواط/ساعة لثماني قرى. وتعتمد هذه التقديرات على معامل قدرة يتراوح بين 32% في طنجة و45% في الداخلة، وهي نسب متوافقة مع الدراسات العالمية في هذا المجال.

منهجية علمية دقيقة لقياس سرعات الرياح

اعتمد الباحثون في دراستهم على بيانات الأقمار الصناعية من خدمة “كوبرنيكوس” لمراقبة البيئة البحرية، وتحديدًا مجموعة البيانات WIND_GLO_PHY_L4_MY_012_006، التي توفر تقديرات لسرعة الرياح كل ساعة بناءً على قياسات الرادار المنتشر على سطح المحيط. وقد تم جمع بيانات أربع سنوات (2020-2023) وتحليلها على شبكة بدقة 0.125 درجة، لتغطي المجال الأطلسي المغربي من خط العرض 20°30′ إلى 37° شمالًا.

وقد تم اختيار تسعة مواقع ساحلية رئيسية للمقارنة: طنجة، الرباط، الدار البيضاء، الجديدة، آسفي، الصويرة، أكادير، طرفاية، والداخلة. وأظهرت تحليلات وردات الرياح أن الاتجاه السائد هو الشمال إلى الشمال الشرقي في معظم المواقع، باستثناء طنجة حيث تهب الرياح غالبًا من الشرق بسرعات تتراوح بين 12 و21 مترًا في الثانية، وأكادير حيث تأتي من الشمال إلى الشمال الغربي. أما في الرباط، فتتوزع الرياح بشكل شبه متساوٍ بين الجنوب الغربي والشرق، مما يشير إلى نظام رياح أقل انتظامًا.

تفاوت واضح في كثافة طاقة الرياح بين الشمال والجنوب

أظهرت خرائط كثافة طاقة الرياح، وهي مؤشر أساسي لتقييم الطاقة الحركية المتاحة، تباينًا واضحًا بين المواقع. ففي طنجة، تبلغ متوسط كثافة الطاقة على ارتفاع 50 مترًا ذروة ملحوظة تصل إلى حوالي 1000 واط/متر مربع في فبراير، وهو الشهر الأكثر رياحًا، وترتفع هذه الذروة إلى حوالي 1200 واط/متر مربع عند رفع التوربينات إلى ارتفاع 100 متر. في المقابل، تسجل الصويرة والداخلة وطرفاية قيمًا أقل ولكنها أكثر انتظامًا على مدار العام، حيث تبلغ ذروتها في يوليو بحوالي 700 و600 و500 واط/متر مربع على التوالي. أما الدار البيضاء والجديدة، فتبقى أقل من حيث متوسط الكثافة وتقلباتها الموسمية، لكنها تظل مواقع محتملة لمشاريع مستقبلية.

وبالإضافة إلى شدة الرياح، أشارت الدراسة إلى أهمية انتظامها، حيث لوحظ استقرار ملحوظ بين السنوات الأربع، وهو عامل مطمئن للمستثمرين، إذ أن مشروع الرياح لا يكون قابلاً للتمويل إلا إذا كانت الموارد لا تتقلب بشكل عشوائي من سنة إلى أخرى. كما لاحظ الباحثون أن الرياح في عدة مواقع، مثل الرباط والدار البيضاء والجديدة وأكادير وآسفي، تبلغ ذروتها اليومية في فترة ما بعد الظهر بين الساعة 14:00 و17:00، وهي الفترة التي تشهد أعلى طلب على الكهرباء، مما قد يقلل من الحاجة إلى أنظمة تخزين الطاقة.

تحديات ومنهجية استكشافية

رغم النتائج المشجعة، يقر الباحثون بوجود قيود في دراستهم. أبرزها أن فترة البيانات (4 سنوات) قصيرة مقارنة بالتوصيات الدولية التي تنصح بفترات أطول لتقييمات استثمارية موثوقة. كما أن استقراء سرعة الرياح من ارتفاع 10 أمتار إلى ارتفاع مركز التوربين (بين 50 و100 متر) يعتمد على افتراض استقرار الغلاف الجوي، وهو ما قد لا يطابق الظروف الفعلية في البحر. وأخيرًا، فإن الدراسة اعتمدت فقط على بيانات الأقمار الصناعية دون قياسات ميدانية (أبراج أرصاد جوية، عوامات، محطات ساحلية)، مما يجعل النتائج بمثابة تقييم أولي للجدوى وليس ملفًا استثماريًا نهائيًا.

ولهذا، يدعو الباحثون إلى إجراء دراسات تكميلية تتضمن سلاسل زمنية أطول، ونمذجة جوية أكثر دقة، وتحليلًا تقنيًا واقتصاديًا شاملًا قبل أي نشر واسع النطاق. ومع ذلك، فإن الدراسة تعزز الاتجاه الذي أشارت إليه أبحاث سابقة حول الرياح في المغرب: الساحل الأطلسي الجنوبي، وتحديدًا الداخلة وطرفاية والصويرة، هو الأكثر وعدًا من حيث شدة الرياح واستقرارها، مقارنة بالشمال الذي يشهد تقلبات موسمية أكبر.

الجنوب الأطلسي: أرضية مثالية لمشاريع تجريبية

بناءً على هذه النتائج، يوصي الباحثون بإعطاء الأولوية للمشاريع التجريبية في المناطق الجنوبية، حيث يكون الربط بين موارد الرياح واحتياجات مجتمعات الصيادين أكثر فعالية. كما يقترحون إمكانية دمج عدة توربينات مع أنظمة تخزين لضمان إمداد مستقر بالكهرباء حتى في أوقات انخفاض الرياح. هذا النهج اللامركزي يمكن أن يساهم في تحقيق أهداف المغرب في مجال الطاقة المتجددة، والتي تهدف إلى رفع نسبة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52% من مزيج الكهرباء بحلول عام 2030.

وتجدر الإشارة إلى أن المغرب يمتلك أكثر من 3,500 كيلومتر من السواحل، منها حوالي 3,000 كيلومتر على المحيط الأطلسي و500 كيلومتر على البحر الأبيض المتوسط، مما يوفر إمكانات هائلة لتطوير طاقة الرياح البحرية. ومع ذلك، لا تزال العديد من القرى الساحلية، خاصة تلك التي تعتمد على الصيد الحرفي، محرومة من كهرباء موثوقة. ويمكن أن تكون هذه التوربينات الصغيرة الحل الأمثل لتوفير الكهرباء لهذه المجتمعات النائية، دون الحاجة إلى ربطها بالشبكة الوطنية المكلفة.

للمزيد من المعلومات حول طاقة الرياح بشكل عام، يمكنكم الاطلاع على مقال ويكيبيديا عن طاقة الرياح. كما يمكنكم متابعة آخر الأخبار والتحليلات الاقتصادية على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.