مقدمة: سهل الحوز بين مطرقة التلوث وسندان الاستنزاف
في قلب المغرب، تحت جبال الأطلس الكبير، تمتد أكبر خزان مائي جوفي في البلاد، وهو سهل الحوز، الذي يغطي حوالي 6000 كيلومتر مربع ويمثل شريان الحياة لأكثر من مليوني نسمة بين مراكش والمناطق المحيطة بها. لكن هذا المورد الحيوي يواجه اليوم تهديدًا مزدوجًا: تلوث المياه الجوفية في سهل الحوز بسبب غياب البنية التحتية للصرف الصحي، والاستنزاف المتسارع بسبب الضخ المكثف. دراسة هيدروجيولوجية حديثة أجراها باحثون من جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P) بالتعاون مع مختبرات دولية، تكشف عن معادلة صعبة: الري التقليدي يغذي الخزان لكنه يلوثه، بينما الري الحديث يحافظ على نقاء المياه لكنه يستنزفها.
أزمة مناخية تزيد الضغط على الموارد المائية
منذ عام 2019، يشهد سهل الحوز موجة جفاف هي الأشد والأطول منذ خمسين عامًا، وفقًا لمؤشر الجفاف SPEI الذي اعتمدته الدراسة. وقد أكدت بيانات الأقمار الصناعية من مهمة GRACE انخفاضًا في المخزون المائي الإجمالي للمنطقة بنحو 100 مليمتر من مكافئ المياه بين 2019 و2025، وهو مؤشر واضح على الاستنزاف الشامل. وتشير الأرقام إلى أن المياه الجوفية تغطي الآن أكثر من 80% من احتياجات حوض تانسيفت، بينما فقدت طبقة المياه الجوفية في الحوز ما يقرب من نصف سمكها المشبع منذ السبعينيات. كما انخفضت الأمطار بنسبة 28% وتدفقات الأنهار بنسبة 40% بين عامي 1965 و2018، مما يضع المنطقة في حالة طوارئ مائية حقيقية.
الري التقليدي: إعادة تغذية ملوثة
كشفت الدراسة، التي استخدمت تقنية متطورة لقياس التلوث في الموقع تسمى فلورة التربتوفان (TLF)، عن وجود تباين صارخ بين نظامي الري في السهل. ففي مناطق الري التقليدي، مثل سفوح جبال الأطلس على طول وادي أوريكا، تظهر مؤشرات تلوث عالية. فمن بين 27 عينة تم تحليلها للتلوث البرازي، كانت عينتان فقط إيجابيتان، لكنهما تقعان في هذه المناطق، بما في ذلك بئر محفور يدويًا بعمق 14 مترًا سجل أعلى قيمة فلورة في الدراسة بأكملها. كما تتركز الآبار ذات الفلورة الملحوظة بشكل شبه حصري في منطقتين: تجمع مراكش الحضري وسفوح الجبال التقليدية، حيث تمثلان معًا 46% من إجمالي نقاط المياه الإيجابية. ويعود السبب الرئيسي إلى غياب البنية التحتية للصرف الصحي في المناطق الريفية، حيث ينتهي 68% من مياه الصرف الصحي في حفر غير محكمة الإغلاق، ويتم إلقاء 29% مباشرة في البيئة، بينما لا تتم معالجة سوى 3% فقط. وقد وثق الباحثون بالصور إلقاء مياه الصرف الخام مباشرة في قنوات الري التقليدية، مما يخلق رابطًا مباشرًا بين ضعف الصرف الصحي وتلوث المياه الجوفية. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 10 ملايين متر مكعب من مياه الصرف الخام من البلدات الصغيرة تُلقى في الطبيعة سنويًا دون معالجة.
الري الحديث: نقاء المياه على حساب الاستنزاف
في المقابل، أظهرت مناطق الري الحديث، مثل منطقة نفيس، مؤشرات تلوث منخفضة، لكن المياه المستخرجة كانت أقدم بكثير، حيث يتجاوز عمرها ستين عامًا. وهذا ليس علامة على صحة الخزان، بل يعني أن هذه المناطق تستنزف احتياطيات قديمة لا تتجدد بنفس معدل الضخ، مما يساهم مباشرة في الاستنزاف الذي رصدته الأقمار الصناعية. ويشبه الباحثون هذا الوضع بحالات موثقة في إسبانيا وجنوب آسيا، حيث أدى تحديث الري إلى نقل المشكلة من التلوث إلى الاستنزاف.
توصيات الدراسة: حلول متكاملة لمواجهة الأزمة
بدلاً من الاختيار بين الري التقليدي والحديث، تدعو الدراسة إلى استراتيجية مزدوجة تعالج كلا الخطرين في آن واحد. فمن ناحية، يجب حماية مناطق إعادة التغذية من خلال تعزيز الصرف الصحي الريفي، بما في ذلك معالجة مياه الصرف في المواقع السياحية، وتركيب أنظمة صرف صحي فردية محكمة في القرى، وفرض رقابة أكثر صرامة على إعادة استخدام مياه الصرف في الري. ومن ناحية أخرى، يجب تنظيم الضخ في مناطق الري الحديث من خلال تحديد الكميات المسموح بها، واللجوء إلى التغذية الاصطناعية للخزان، والإدارة المتكاملة للمياه السطحية والجوفية. كما توصي الدراسة باستخدام أجهزة استشعار الفلورة في الموقع كأداة مراقبة منخفضة التكلفة، لسد النقص في البيانات المكانية والزمانية التي تحد من متابعة جودة المياه الجوفية في المنطقة.
خاتمة: الحاجة الملحة إلى تحرك جماعي
إن تلوث المياه الجوفية في سهل الحوز ليس مجرد مشكلة بيئية، بل هو أزمة تهدد الأمن المائي والغذائي لملايين المغاربة. وتتطلب هذه الأزمة إجراءات عاجلة من جميع الأطراف، من الحكومة إلى المزارعين إلى المواطنين. فبدون استثمارات في البنية التحتية للصرف الصحي، وبدون تنظيم صارم للضخ، سوف يستمر الخزان في التدهور، مما سيكون له عواقب وخيمة على الزراعة والاقتصاد المحلي. وتقدم الدراسة خارطة طريق واضحة، لكن تنفيذها يتطلب إرادة سياسية والتزامًا جماعيًا. فهل نحن مستعدون لاتخاذ الخطوات اللازمة لحماية هذا المورد الحيوي؟
للمزيد من المعلومات حول إدارة الموارد المائية، يمكنكم الاطلاع على إدارة الموارد المائية على ويكيبيديا. كما يمكنكم متابعة آخر الأخبار والتحليلات على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك