في قلب المغرب، وتحديداً في سهل تادلة بجهة بني ملال-خنيفرة، تبرز قضية حيوية تتعلق بمستقبل الزراعة في ظل شح المياه. فبينما تواصل الدولة دعمها لبرامج التحويل نحو الري بالتنقيط، تظل نسبة المساحات المجهزة بهذا النظام محدودة، حيث لا تتجاوز 23% من الأراضي المسقية. وتشير دراسة حديثة إلى أن المعيقات ليست مالية فقط، بل تشمل أيضاً تصورات المزارعين حول أسباب ندرة المياه، وهو ما يلقي الضوء على أهمية الجانب النفسي والاجتماعي في تبني التقنيات الزراعية الحديثة.
أزمة المياه في تادلة: واقع صعب وتفسيرات متباينة
شهد المغرب خلال السنوات السبع الماضية موجة جفاف غير مسبوقة، أثرت بشكل كبير على الأنشطة الزراعية في سهل تادلة. وقد أجمع المزارعون الذين شملتهم الدراسة على أن المياه أصبحت أكثر ندرة، سواء تلك القادمة من السدود التي يديرها المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي أو من الآبار الخاصة. ففي مناطق بني عامر وبني موسى، يشتكي الفلاحون من عدم انتظام فترات إطلاق المياه من السدود، بينما يعاني آخرون من انخفاض منسوب المياه الجوفية، مما اضطرهم إلى حفر آبار أعمق بكثير مما كان عليه الحال في الماضي.
لكن الاختلاف الجوهري بين المزارعين يكمن في تفسيرهم لأسباب هذه الندرة. فمنهم من يرجعها إلى عوامل خارجية مثل تغير المناخ أو قلة التساقطات المطرية أو حتى الإرادة الإلهية، وهؤلاء أطلقت عليهم الدراسة اسم “الخارجيين”. في المقابل، هناك فئة “الداخليين” الذين يعترفون بوجود مسؤولية بشرية، مثل الإفراط في استغلال المياه الجوفية أو سوء إدارة الموارد المائية. وقد أظهرت الدراسة أن هذه التصورات تؤثر بشكل مباشر على سلوك المزارعين في التكيف مع ندرة المياه.
الري بالتنقيط: بين الإدراك والواقع
من اللافت أن معظم المزارعين الذين شملتهم الدراسة ما زالوا يعتمدون على الري بالغمر، رغم توفر الدعم الحكومي للتحول إلى الري بالتنقيط. ويبدو أن العوائق المالية ليست وحدها المسؤولة عن هذا التأخر، بل هناك أيضاً أفكار خاطئة وعدم معرفة كافية بالأنظمة المتاحة. فعلى سبيل المثال، يعتقد بعض المزارعين أن الدعم الحكومي لا يشمل سوى المساحات الكبيرة، بينما هو في الحقيقة متاح لجميع المساحات، ويمكن أن يصل إلى 100% من التكلفة للمزارع الصغيرة التي تقل عن خمسة هكتارات. كما أن هناك اعتقاداً سائداً بأن الري بالتنقيط غير مناسب لأشجار الزيتون المسنة، على الرغم من أن الأبحاث الزراعية تؤكد عكس ذلك.
وتشير الدراسة إلى أن هذه الأفكار الخاطئة ناتجة عن نقص في الإرشاد الزراعي والتوعية، وليس عن عوائق تقنية حقيقية. وقد لاحظ الباحثون حالات لفلاحين قاموا بتركيب أنظمة الري بالتنقيط لكنهم استمروا في الري بالغمر، مما يدل على عدم فهم كامل لكيفية استخدام هذه التقنية بشكل صحيح.
نتائج الدراسة: إنتاجية أفضل لدى “الداخليين”
قام الباحثون بحساب مؤشر إنتاجية المياه لكل مزارع، وهو نسبة كمية الزيتون المنتج إلى كمية المياه المستخدمة. وقد أظهرت النتائج أن المزارعين “الداخليين” يحققون إنتاجية أعلى بكثير، حيث تبلغ حوالي 0.396 كيلوغرام لكل متر مكعب من المياه، مقارنة بـ 0.204 كيلوغرام للمتر المكعب لدى “الخارجيين”. ومع ذلك، فإن هذا الفارق لم يكن ذا دلالة إحصائية قوية بسبب صغر حجم العينة، مما يعني أن النتائج يجب أن تؤخذ بحذر.
كما أظهرت الدراسة أن بعض المزارعين “الخارجيين” يمكن أن يحققوا إنتاجية عالية إذا توفرت لديهم موارد مالية كافية، مثل أولئك الذين يتلقون تحويلات مالية من أقاربهم في الخارج. وهذا يشير إلى أن العامل المالي يظل مهماً، لكنه ليس العامل الوحيد.
توصيات للسياسات العامة: نحو مقاربة شاملة
تقدم الدراسة توصيات عملية لتعزيز تبني الري بالتنقيط في حوض تادلة، وتشمل:
- تعزيز دور التعاونيات الزراعية كمنصات لتبادل المعرفة والخبرات بين المزارعين، من خلال إنشاء حقول تجريبية وتنظيم أيام حقلية بإشراف قادة محليين موثوقين.
- تطوير دور المؤسسات العامة مثل المديرية الإقليمية للفلاحة والمكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي، بحيث تقدم دعماً فنياً قريباً من المزارعين، وتوضح شروط الاستفادة من الدعم المالي، وتقدم استشارات عملية حول إدارة الري الموضعي.
- إطلاق حملات توعية لتصحيح المفاهيم الخاطئة حول الري بالتنقيط، خاصة فيما يتعلق بملاءمته لأشجار الزيتون المسنة، وفوائده في ترشيد استهلاك المياه.
ويؤكد الباحثون على أن الدعم المالي وحده لا يكفي لتعميم الري بالتنقيط، ما لم يتم العمل على تغيير التصورات الذهنية وتوفير المعلومات الدقيقة للمزارعين. ففي منطقة تتحكم فيها ندرة المياه في كل القرارات الاقتصادية، تصبح معركة التحول نحو الري الحديث معركة معلومات وإدراك بقدر ما هي معركة تمويل.
للمزيد من المعلومات حول تقنيات الري الحديثة، يمكنكم الاطلاع على مقال ويكيبيديا عن الري بالتنقيط. ولمتابعة آخر أخبار الفلاحة المغربية، زوروا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك